نائبة أمريكية تحذر من «فقاعة الذكاء الاصطناعي»: قد تتحول إلى أزمة مالية كبيرة
مصادر – موقع بيان الإخبارى
في وقت تتصاعد فيه التحذيرات داخل صناعة التكنولوجيا نفسها من مخاطر التوسع السريع في تطوير الذكاء الاصطناعي، فتحت النائبة الأمريكية ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز جبهة أخرى في النقاش، لا تتعلق فقط بسلامة التكنولوجيا ومستقبل البشرية، وإنما بالمخاطر المالية التي قد تترتب على الطفرة الهائلة في استثمارات الذكاء الاصطناعي.
أوكاسيو-كورتيز، المعروفة اختصارًا بـ«AOC»، هي نائبة ديمقراطية تمثل الدائرة الرابعة عشرة في ولاية نيويورك بمجلس النواب الأمريكي، وتشغل عضوية لجنة الطاقة والتجارة، بما تشمل اختصاصاتها من ملفات الطاقة والصحة والرقابة والتحقيقات. انتُخبت للمرة الأولى عام 2018، وتتولى حاليًا عضوية الكونجرس الـ119.
وفي رسالة نشرتها في 18 سبتمبر الجاري، ربطت أوكاسيو-كورتيز بين موجة التحذيرات الجديدة من مخاطر الذكاء الاصطناعي وبين ما وصفته بمشكلة أخرى أقل تناولًا، هي الرهان المالي الضخم على قدرة صناعة الذكاء الاصطناعي على تحقيق أرباح هائلة مستقبلًا.
وجاء موقفها بعد أيام من دعوة داريـو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، إلى إبطاء وتيرة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وهي الدعوة التي حظيت لاحقًا بتأييد معلن من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـOpenAI، وإيلون ماسك، وسط نقاش متصاعد حول قدرة الشركات على السيطرة على المخاطر المرتبطة بالنماذج الأكثر تقدمًا.
وكان أمودي قد اقترح إجراءات تشمل وجود جهات مستقلة لتقييم سلامة النماذج، ووضع معايير مشتركة بين الشركات، وتعزيز التعاون الدولي بشأن المخاطر، مؤكدًا أن هدفه ليس وقف التطور التكنولوجي وإنما إتاحة وقت كافٍ لبناء آليات أمان ورقابة أكثر فاعلية.
لكن أوكاسيو-كورتيز ترى أن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح خطرًا على البشرية؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال اقتصادي آخر: ماذا يحدث إذا لم تحقق الاستثمارات الضخمة في هذه التكنولوجيا العوائد التي يتوقعها المستثمرون؟
وتقول النائبة إن أكبر شركات الذكاء الاصطناعي تنفق مئات المليارات من الدولارات على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية، بينما لا تزال قدرة هذه الشركات على تحقيق إيرادات وأرباح تتناسب مع حجم الاستثمارات والتكاليف غير محسومة.
وتتزامن هذه المخاوف مع تحول كبير في طريقة تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي، فقد أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى تعتمد بصورة متزايدة على أسواق الدين والتمويل الخارجي لتمويل البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير تقديرات مالية حديثة إلى أن الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا العملاقة على البنية التحتية قد يصل إلى نحو 820 مليار دولار خلال 2026، مع توقعات بمواصلة الارتفاع في السنوات التالية.
كما أظهرت بيانات وتحليلات مالية أن شركات التكنولوجيا الكبرى أصبحت تلجأ إلى إصدار السندات والاقتراض بوتيرة أكبر لتمويل توسعها في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
وكانت رويترز قد أشارت إلى أن الإنفاق المجمع لشركات التكنولوجيا الكبرى على الذكاء الاصطناعي يتجه إلى تجاوز 700 مليار دولار، مع تنامي الاعتماد على أسواق الدين والتمويل الخارجي.
ومن هنا تطرح أوكاسيو-كورتيز تشبيهًا لافتًا بالأزمة المالية العالمية عام 2008، معتبرة أن المخاطر لا تكمن فقط في احتمال فشل بعض الشركات، وإنما في إمكانية انتقال الخسائر إلى مستثمرين ومؤسسات مالية وأموال تقاعد، ثم الضغط على الحكومة للتدخل إذا تعرضت شركات كبرى لانهيار حاد.
وتحذر النائبة من أن ارتباط صناديق التقاعد والاستثمارات العامة والخاصة بأسهم وسندات شركات التكنولوجيا يمكن أن يجعل تداعيات أي تصحيح حاد في قطاع الذكاء الاصطناعي أوسع من حدود وادي السيليكون.
وتذهب أبعد من ذلك باتهام شركات التكنولوجيا الكبرى باستخدام ما تصفه بـ«التمويل الدائري»، حيث تتدفق الأموال بين الشركات العملاقة والشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي ثم تعود إلى الشركات الكبرى في صورة مدفوعات مقابل الحوسبة والخدمات والبنية التحتية.
وترى أن مثل هذه الترتيبات قد تعطي انطباعًا بأن القطاع أكثر قوة ماليًا مما هو عليه في الواقع، وهي نقطة تحتاج، بطبيعة الحال، إلى تقييم مستقل لكل صفقة وهيكل تمويل قبل تعميمها على الصناعة بأكملها.
وتستند أهمية التحذير إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد قصة شركات ناشئة تبحث عن مستثمرين، بل أصبحت مرتبطة بموازنات واستثمارات ضخمة لشركات من أكبر مكونات الاقتصاد والأسواق المالية الأمريكية.
وتشير تحليلات مالية إلى أن الاستثمارات المتزايدة في مراكز البيانات والرقائق أصبحت تخلق طلبًا كبيرًا على التمويل الخارجي، ما يطرح أسئلة حول قدرة الأسواق على استيعاب هذا الحجم من الإنفاق إذا استمر في الارتفاع.
وفي الوقت نفسه، فإن تأجيل بعض شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى خطط الطرح العام يضيف بعدًا آخر إلى النقاش. فقد أفادت رويترز بأن OpenAI قررت تأجيل طرحها العام الأولي إلى العام المقبل على الأقل، في وقت تتزايد فيه الاستثمارات والرهانات على مستقبل الصناعة.
وترى أوكاسيو-كورتيز أن دخول الأموال العامة وصناديق التقاعد والاستثمارات واسعة النطاق إلى هذه المنظومة يجعل مسألة الرقابة أكثر إلحاحًا، لأنها قد تحول شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، في حال اتساع المخاطر، إلى كيانات يصعب السماح بانهيارها دون تداعيات اقتصادية أوسع.
ولهذا تدعو النائبة إلى إعلان موقف مسبق وواضح: إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي، فلا ينبغي للكونجرس أن ينقذ شركات التكنولوجيا الكبرى بأموال عامة.
وفي الجانب الآخر من القضية، تتمسك أوكاسيو-كورتيز بضرورة وضع معايير سلامة صارمة للذكاء الاصطناعي، وتعزيز الرقابة العامة، واستخدام القوانين القائمة لمحاسبة الشركات إذا طرحت منتجات خطرة أو غير مختبرة أو معيبة.
وهكذا تحاول النائبة نقل النقاش من سيناريوهات الخيال العلمي حول «الروبوتات التي قد تدمر البشرية» إلى مخاطر أكثر مباشرة في نظرها: من يدفع ثمن الرهان إذا فشل؟
فبينما يتركز جزء كبير من الجدل الحالي على قدرة الذكاء الاصطناعي على تجاوز الرقابة البشرية، يتركز تحذير أوكاسيو-كورتيز على احتمال آخر: أن تتحول الاستثمارات الهائلة والديون والرهانات السوقية إلى أزمة مالية إذا لم تتحول الوعود التكنولوجية إلى أرباح بالحجم المتوقع.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يشهد العالم بالفعل فقاعة مالية حول الذكاء الاصطناعي، أم أن ضخامة الاستثمارات الحالية تمثل مرحلة طبيعية لبناء تكنولوجيا تحتاج إلى سنوات قبل أن تسترد تكلفتها؟
الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على قدرة شركات القطاع على تحويل الإنفاق الهائل على الحوسبة ومراكز البيانات والرقائق إلى إيرادات وأرباح مستدامة، وعلى قدرة الأسواق والمؤسسات المالية على تحمل مخاطر هذه الموجة الاستثمارية.





