ترامب وشي جين بينج.. هل تقود أوراق الضغط المتبادلة إلى استقرار استراتيجي؟

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

تتجه أنظار العالم إلى واشنطن مع اقتراب اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج، في قمة تحمل أهمية خاصة للعلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم، وسط محاولة معلنة من الجانبين للانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى ما وصفه الطرفان بـ«الاستقرار الاستراتيجي البنّاء».

وتأتي القمة في ظل امتلاك واشنطن وبكين مجموعة واسعة من أوراق الضغط الاقتصادية والجيوسياسية. وبحسب تحليل نشرته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست»، فإن المفاوضات لن تتعلق فقط بما يستطيع كل طرف فعله، وإنما أيضًا بما اختار الطرفان عدم القيام به حتى الآن، خشية أن يؤدي التصعيد إلى رد انتقامي يضر بمصالحهما معًا.

ويعكس هذا الوضع طبيعة العلاقة الصينية–الأمريكية في 2026: منافسة حادة في التكنولوجيا والتجارة وسلاسل الإمداد، يقابلها اعتماد اقتصادي متبادل يجعل الانفصال الكامل بين الطرفين مكلفًا للغاية.

التجارة.. الورقة الأمريكية والصينية المشتركة

تظل التجارة واحدة من أهم أوراق التفاوض. فواشنطن تريد ضمان استمرار الهدنة التجارية التي جرى التوصل إليها بعد قمة ترامب وشي في أكتوبر 2025، والمقرر أن تنتهي في 10 نوفمبر المقبل، بينما تسعى بكين إلى منع عودة دوامة التعريفات الجمركية والتصعيد التجاري الواسع.

ووفق «رويترز»، فإن القمة ستبحث ملفات التعريفات، والسلع الزراعية، والطاقة، والعناصر الأرضية النادرة، إلى جانب العقوبات، وهي ملفات تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أدوات ضغط استراتيجية وليست مجرد خلافات تجارية.

وتملك الولايات المتحدة ورقة مهمة تتمثل في السوق الأمريكية وقدرتها على فرض رسوم وقيود على السلع والشركات الصينية، بينما تمتلك الصين بدورها سوقًا ضخمة وقدرة إنتاجية وسلاسل توريد يصعب على الشركات الأمريكية الاستغناء عنها سريعًا.

وتشير أحدث المعطيات إلى أن الصين تسير نحو تسجيل فائض تجاري سنوي مع العالم يقترب من تريليون دولار للعام الثاني على التوالي، وهو ما يمنحها هامشًا اقتصاديًا واسعًا في مواجهة الضغوط الأمريكية، وفق «رويترز».

المعادن النادرة كشفت حدود الاعتماد الأمريكي

من أكثر الملفات حساسية المعادن الأرضية النادرة، التي تمثل مدخلًا مهمًا لصناعات التكنولوجيا والطيران والدفاع والسيارات الكهربائية.

وتضغط واشنطن على بكين لضمان استمرار تدفق هذه المواد إلى الشركات الأمريكية، بينما استخدمت الصين خلال مرحلة التصعيد التجاري قيود التصدير باعتبارها إحدى أدوات الضغط في مواجهة التعريفات والقيود الأمريكية.

وتقول «رويترز» إن تدفق المواد تحسن مقارنة بفترات سابقة، لكن المشكلة لم تُحسم بالكامل؛ إذ لا تزال شركات أمريكية في قطاعات حساسة تواجه صعوبة في الحصول على الإمدادات، كما يتردد بعض المصدرين الصينيين في الشحن إلى الولايات المتحدة خشية تداعيات سياسية إذا تدهورت العلاقات مجددًا.

وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات القمة: واشنطن تستطيع الضغط على الصين عبر السوق والتكنولوجيا، لكن بكين تستطيع الضغط على قطاعات أمريكية عبر سلاسل توريد لا يمكن إعادة بنائها بسرعة.

الذكاء الاصطناعي والرقائق.. تتجاوز التجارة

الملف التكنولوجي سيكون حاضرًا بقوة، خصوصًا في ظل تحول المنافسة على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات إلى أحد أهم ميادين التنافس الاستراتيجي.

وقد كشفت «ساوث تشاينا مورنينج بوست» قبل القمة مباشرة عن إعلان شركة هواوي نظامًا قالت إنه قادر على تشغيل ما يصل إلى مليون معالج باعتبارها حاسوبًا موحدًا واحدًا، في تطور يعكس محاولة الصين تقليل أثر القيود الأمريكية على الوصول إلى أكثر تقنيات تصنيع الرقائق تقدمًا.

ولا يعني ذلك أن الفجوة التكنولوجية أُغلقت، إذ لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بمزايا كبيرة في منظومة الرقائق والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، لكن التطورات الصينية تكشف أن القيود الأمريكية تدفع بكين إلى البحث عن بدائل تقنية ومنظومات محلية متكاملة.

وتشير تقديرات وتحليلات أمريكية إلى أن القيود على الرقائق المتقدمة ستظل من الملفات الصعبة في الحوار، فيما تواصل بكين الاعتراض على القيود المفروضة على تصدير الرقائق اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية.

الزراعة.. مساحة محتملة للاتفاق

في المقابل، تبدو الزراعة من الملفات التي يمكن أن توفر مساحة للتفاهم، خصوصًا فول الصويا.

وتقول «رويترز» إن الصين في طريقها للوفاء بتعهد شراء 25 مليون طن متري من فول الصويا الأمريكي سنويًا حتى 2028، كما سبق أن تحدثت الإدارة الأمريكية عن مشتريات إضافية من المنتجات الزراعية بقيمة 17 مليار دولار، وإن كانت هذه الالتزامات مرتبطة بإعفاءات أو ترتيبات بشأن الرسوم المتبقية.

وتكتسب هذه الورقة أهمية سياسية واقتصادية في الوقت نفسه، لأن الصادرات الزراعية الأمريكية تمثل سوقًا مهمة للمزارعين الأمريكيين، بينما تحتاج الصين إلى تنويع مصادر غذائها وتأمين إمداداتها الزراعية.

الطاقة والعقوبات.. ملف إيران يدخل الحسابات

لا تقتصر القمة على العلاقة الثنائية. فالحرب مع إيران جعلت ملف الطاقة والعقوبات أكثر حساسية في الحسابات الأمريكية.

وتعد الصين من أكبر المشترين للنفط الإيراني، وهو ما يجعل سياسة واشنطن تجاه طهران نقطة احتكاك إضافية مع بكين. ووفق «أكسيوس»، تريد الإدارة الأمريكية استخدام نفوذها للضغط على الصين بشأن التجارة مع إيران، لكنها تجنبت حتى الآن توجيه أقسى العقوبات إلى البنوك الصينية الكبرى، في ظل الحاجة إلى إبقاء العلاقة الاقتصادية مع بكين مستقرة.

ومن جانب آخر، يمكن أن تكون الطاقة نفسها مجالًا للتفاهم. فقد أشار تقرير «رويترز» إلى احتمال استئناف واردات الصين من النفط والغاز الأمريكيين ضمن ترتيبات أوسع لخفض الرسوم المتبادلة، بعد توقف تدفقات واسعة عقب فرض التعريفات.

تايوان والأمن.. الورقة الأصعب

إذا كانت التجارة والطاقة والتكنولوجيا قابلة للتفاوض المرحلي، فإن ملف تايوان يظل أكثر تعقيدًا، لأنه يرتبط مباشرة بما تعتبره بكين من مصالحها الأساسية وبالسياسة الأمنية الأمريكية في شرق آسيا.

كما تسعى واشنطن وبكين، في الوقت نفسه، إلى منع التنافس العسكري من التحول إلى صدام غير محسوب. وكانت «ساوث تشاينا مورنينج بوست» قد أفادت بأن الجانبين ناقشا إجراءات لتعزيز الاتصالات العسكرية، وإمكانية استئناف محادثات الحد من التسلح التي توقفت في 2024، بما قد يوفر آليات أفضل لإدارة الأزمات.

وهذا المسار مهم لأنه لا يعني حل الخلافات الأمنية، وإنما إنشاء قنوات اتصال تقلل احتمال أن يؤدي حادث عسكري أو سوء تقدير إلى أزمة أكبر.

لماذا يصعب على أي طرف استخدام أوراقه إلى أقصى حد؟

المفارقة الأساسية في قمة واشنطن أن قوة كل طرف هي أيضًا مصدر للقيود المفروضة عليه.

فواشنطن تستطيع استخدام التعريفات والعقوبات والقيود التكنولوجية، لكن التصعيد الواسع قد يرفع تكاليف السلع على المستهلك الأمريكي ويضغط على الشركات وسلاسل الإمداد.

وبكين تستطيع استخدام المعادن النادرة والسوق الصينية وسلاسل التوريد، لكن تحويل هذه الأدوات إلى أسلحة اقتصادية شاملة قد يدفع الشركات والدول إلى تسريع البحث عن بدائل للصين.

ولهذا فإن المفاوضات لا تدور فقط حول سؤال: من يملك ورقة أقوى؟ وإنما حول متى يستخدمها، وإلى أي مدى، وما الثمن الذي سيدفعه إذا استخدمها؟

من «الحرب التجارية» إلى إدارة المنافسة

خلال السنوات الماضية، انتقلت العلاقة من خلاف تجاري تقليدي إلى منافسة متعددة المستويات تشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والطاقة والعقوبات والأمن.

ولهذا فإن هدف القمة لا يبدو، وفق المعطيات المتاحة، إنهاء التنافس الأمريكي–الصيني، وإنما البحث عن صيغة تمنع المنافسة من التحول إلى مواجهة مفتوحة.

ويعزز ذلك ما طرحته واشنطن وبكين من مفهوم «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء»، إلى جانب التحرك لتثبيت قنوات الحوار العسكري والاقتصادي. كما تشير التقارير إلى أن الجانبين يسعيان إلى تمديد الهدنة التجارية بدل العودة إلى موجة تعريفات متبادلة واسعة.

هل تستطيع القمة تحقيق اختراق؟

الاختراق المحتمل لا يعني تسوية الملفات الكبرى دفعة واحدة. الأكثر واقعية هو أن تخرج القمة بمجموعة من الترتيبات الجزئية: استمرار الهدنة التجارية، زيادة المشتريات الزراعية والطاقة، تحسين تدفق المعادن النادرة، إدارة الخلافات حول التكنولوجيا، وإعادة بناء قنوات الاتصال العسكري.

وفي المقابل، ستظل ملفات مثل تايوان، والرقائق المتقدمة، والسياسة الأمريكية تجاه إيران، والتنافس على الذكاء الاصطناعي، عناصر صراع طويلة الأمد.

وبذلك، فإن السؤال الذي تطرحه القمة ليس بالضرورة ما إذا كان ترامب وشي قادرين على إنهاء المنافسة، وإنما ما إذا كان بإمكانهما تحويل أدوات الضغط المتبادلة من وسائل للتصعيد إلى أدوات للتفاوض وإدارة المنافسة.

فالولايات المتحدة والصين تمتلكان من أوراق القوة ما يكفي لإلحاق أضرار كبيرة بالطرف الآخر، لكنهما تمتلكان أيضًا مصالح مشتركة تجعل التصعيد الشامل مكلفًا. وبين هذين الحدين تتحرك مفاوضات واشنطن: لا نهاية للصراع الاستراتيجي، ولا عودة سهلة إلى الحرب التجارية المفتوحة، وإنما محاولة لبناء قواعد جديدة لعلاقة تقوم على التنافس مع إبقاء خطوط الاتصال والتجارة والتعاون المحدود مفتوحة.

طالع المزيد: ترامب يستقبل شي على سلم الطائرة.. هل تخرج قمة واشنطن بصفقة كبرى أم هدنة مؤقتة

زر الذهاب إلى الأعلى