ترامب يستقبل شي على سلم الطائرة.. هل تخرج قمة واشنطن بصفقة كبرى أم هدنة مؤقتة

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

 

في لفتة دبلوماسية نادرة، يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاستقبال نظيره الصيني شي جين بينغ شخصيًا عند وصوله إلى قاعدة «أندروز» الجوية قرب واشنطن، الأربعاء المقبل، في خطوة تعكس الأهمية التي توليها الإدارة الأمريكية للزيارة المرتقبة، وسط ملفات شديدة التعقيد تتراوح بين التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتايوان والمعادن النادرة.

ونقلت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» عن مسؤول أمريكي، طلب عدم الكشف عن هويته، أن ترامب سيشارك في مراسم استقبال شي جين بينغ على مدرج قاعدة أندروز، حيث يُتوقع وصول الطائرة الرئاسية الصينية قرابة الرابعة عصرًا بالتوقيت المحلي يوم 23 سبتمبر، على أن تعقد القمة الرئيسية بين الرئيسين في واشنطن يوم 24 سبتمبر.

استقبال استثنائي خارج البيت الأبيض

ويكتسب القرار الأمريكي دلالته من كونه خروجًا عن المراسم المعتادة؛ إذ نادرًا ما يتوجه الرئيس الأمريكي إلى المطار لاستقبال رؤساء الدول الزائرين، حيث تجري عادة مراسم الاستقبال الرسمية في البيت الأبيض أو في مواقع حكومية مخصصة لذلك.

وتشير التقارير إلى أن ترامب يفضل استقبال ضيوفه من القادة داخل واشنطن، ولذلك فإن حضوره شخصيًا إلى قاعدة أندروز لاستقبال شي يمثل إشارة إلى الرغبة في منح الزيارة طابعًا استثنائيًا، وربما تهيئة أجواء أكثر إيجابية قبل محادثات القمة الصعبة.

لكن هذه الخطوة لا تمثل تطابقًا كاملًا مع الاستقبال الذي حظي به ترامب في بكين خلال مايو الماضي؛ فعندما وصلت طائرة الرئيس الأمريكي إلى مطار العاصمة الصينية في 13 مايو، لم يحضر شي جين بينغ إلى مدرج المطار، بينما تولى مسؤولون صينيون كبار مراسم الاستقبال.

وكان ترامب قد أعلن في يوليو أن شي سيزور الولايات المتحدة في 24 سبتمبر، خلال اتصال ومباحثات سابقة بين الجانبين، كما أكد في تصريحات لاحقة أن الزيارة ستتضمن مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض.

قمة محكومة بملفات خلافية

وتأتي القمة في وقت تسعى فيه واشنطن وبكين إلى منع انهيار التهدئة التجارية والتكنولوجية الهشة بينهما، إذ تقترب الهدنة الاقتصادية التي توصل إليها الطرفان من موعد حساس في نوفمبر المقبل، وسط خلافات بشأن القيود على تصدير المعادن النادرة، والرقائق المتقدمة، والتكنولوجيا الحساسة.

ومن المنتظر أن يسبق القمة لقاء بين وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ في نيويورك، بهدف تسوية عدد من الملفات الاقتصادية العالقة، بينها القيود الصينية على تصدير المعادن النادرة، وإمكان تمديد التفاهمات التجارية الحالية، وتحديد السلع غير الحساسة التي يمكن أن تشملها تخفيضات جمركية متبادلة.

وتسعى واشنطن إلى الحصول على ضمانات صينية بشأن استقرار سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات العسكرية والإلكترونية والطاقة المتقدمة، بينما تريد بكين تخفيف القيود الأمريكية على التكنولوجيا والرقائق، ووقف توسيع نطاق العقوبات التجارية والتكنولوجية.

 عنوان جديد للصراع

من أبرز الملفات المتوقع أن تتصدر محادثات ترامب وشي، قضية الذكاء الاصطناعي، التي تحولت من مجال للتنافس الاقتصادي إلى عنصر أساسي في ميزان القوة العسكرية والأمنية والاستراتيجية بين البلدين.

وتشير تقارير دولية إلى أن واشنطن وبكين تواجهان خلافات حول تصدير الرقائق المتقدمة، وتطوير النماذج الذكية، ومخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات السيبرانية والأنظمة العسكرية المستقلة، فضلًا عن الاتهامات الأمريكية لشركات صينية بالاستفادة غير المشروعة من نماذج أمريكية، وهي اتهامات تنفيها الصين.

وفي تطور لافت، أبدت الإدارة الأمريكية استعدادًا لمناقشة ما وصفته بـ«المخاطر المشتركة» للذكاء الاصطناعي مع الصين، رغم استمرار المنافسة الحادة بين البلدين، بينما اقترح خبراء أمنيون أمريكيون وصينيون وضع ضوابط شبيهة بإجراءات الحد من مخاطر الأسلحة النووية، تشمل الإبقاء على السيطرة البشرية على الأنظمة العسكرية الحساسة وإنشاء قنوات اتصال مباشرة لمنع التصعيد غير المقصود.

ولا يعني ذلك أن البلدين اقتربا من اتفاق شامل بشأن الذكاء الاصطناعي، إذ لا تزال المصالح التكنولوجية والأمنية المتعارضة عائقًا أمام بناء نظام مشترك للحوكمة، لكن مجرد إدراج الملف على جدول القمة يعكس إدراك الطرفين أن المنافسة في هذا المجال قد تتحول إلى مصدر خطر عالمي إذا خرجت عن السيطرة.

تايوان.. ورقة التفاوض الأكثر حساسية

يمثل ملف تايوان أحد أكثر الملفات حساسية في القمة، خاصة مع تصاعد المخاوف لدى حلفاء الولايات المتحدة في آسيا من احتمال استخدام ترامب القضية كورقة تفاوضية للحصول على مكاسب اقتصادية من بكين.

وكان ترامب قد وصف في تصريحات سابقة مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان بأنها يمكن أن تكون «ورقة تفاوض»، كما تجنب تقديم التزامات واضحة بشأن طبيعة الرد الأمريكي في حال اندلاع مواجهة عسكرية حول الجزيرة، وهو ما أثار قلق تايوان واليابان ودول آسيوية أخرى تخشى أن يؤدي أي غموض أمريكي إلى تغيير حسابات الردع في المنطقة.

وتعد تايوان بالنسبة إلى الصين قضية سيادة ووحدة أراضٍ، وقد أكدت بكين مرارًا أنها لن تقبل انفصال الجزيرة، بينما تعتبر واشنطن الحفاظ على الوضع القائم في مضيق تايوان جزءًا من منظومة التوازن الاستراتيجي في شرق آسيا.

ومن ثم، فإن أي إشارة تصدر عن ترامب بشأن الأسلحة أو الالتزام الأمريكي تجاه تايوان ستكون موضع متابعة دقيقة من الحلفاء والخصوم على حد سواء، حتى لو لم تتضمن القمة اتفاقًا معلنًا بشأن مستقبل الجزيرة.

من الندية البروتوكولية إلى اختبار النفوذ

يحمل استقبال ترامب لشي عند قاعدة أندروز بُعدًا رمزيًا يتجاوز المجاملة الدبلوماسية؛ فهو يعكس محاولة أمريكية لإظهار أن واشنطن تتعامل مع بكين باعتبارها الطرف الذي لا يمكن تجاوز دوره في الملفات العالمية الكبرى، وفي الوقت نفسه لا تتخلى عن أدوات الضغط الاقتصادية والتكنولوجية عليها.

أما بالنسبة إلى الصين، فإن الزيارة تمثل فرصة لتكريس صورة شي بوصفه شريكًا ندّيًا للرئيس الأمريكي، وليس مجرد مسؤول أجنبي يأتي إلى واشنطن لتلقي المطالب الأمريكية. وتكتسب هذه النقطة أهمية في ضوء حرص بكين على إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة من موقع القوة الاقتصادية والتكنولوجية المتنامية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وكان وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونظيره الأمريكي ماركو روبيو قد بحثا، في اتصال هاتفي، التحضيرات للاتصالات رفيعة المستوى بين البلدين، وشددا على أهمية الحوار القائم على المساواة والاحترام المتبادل والمعاملة بالمثل، في مؤشر على أن الطرفين يحاولان ضبط سقف التوتر قبل لقاء القمة.

قمة لتثبيت التهدئة لا لإنهاء الصراع

ورغم الأجواء البروتوكولية الإيجابية المتوقعة، لا تشير المعطيات الحالية إلى أن القمة ستكون قادرة على إنهاء الخلافات الجوهرية بين واشنطن وبكين. فالملفات المطروحة تتعلق بجوهر التنافس على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والنفوذ العسكري والاقتصادي العالمي.

الأرجح أن الهدف المباشر للقمة يتمثل في تثبيت قنوات الاتصال، ومنع عودة الحرب التجارية إلى مستوياتها القصوى، ووضع حدود لبعض الملفات شديدة الخطورة، خصوصًا الذكاء الاصطناعي وتايوان، إلى جانب البحث عن تفاهمات مرحلية بشأن التجارة والمعادن النادرة.

وبذلك، فإن مشهد ترامب وهو يستقبل شي جين بينغ عند سلم الطائرة قد يعبّر عن رغبة في فتح القمة بأعلى قدر من الإشارات الإيجابية، لكنه لا يلغي أن اللقاء سيجري بين قوتين عظميين تخوضان منافسة طويلة الأمد على قيادة الاقتصاد والتكنولوجيا والنظام الدولي.

طالع المزيد: صاروخ دونغ فنغ الصيني يظهر في اليمن.. أسلحة بكين فى الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى