عبد الله حسن يحلل «تهديدات ترامب فى نيويورك»: تصعيد على المنصة وتفاوض فى الكواليس
كتب: على طه
يقدم الكاتب الصحفي الكبير عبد الله حسن، في مقاله المنشور بموقع «فيتو» تحت عنوان «تهديدات ترامب في نيويورك»، قراءة للمشهد الأمريكي–الإيراني من زاوية التحركات التي رافقت مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، رابطًا بين استمرار الحرب مع إيران، وانعكاساتها على أمن المنطقة والطاقة والملاحة، وبين التحركات السياسية التي جرت خلف أبواب مغلقة في نيويورك.
وتكتسب قراءة المقال أهمية إضافية مع التطورات التي شهدتها الساعات الأخيرة؛ إذ تحولت نيويورك بالفعل إلى ساحة تجمع بين الضغط والتهديد من جهة، ومحاولات اختبار فرص التفاوض من جهة أخرى.
تهديد علني.. واتصالات غير معلنة
في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2026، وجه ترامب تهديدًا بالغ القوة إلى إيران، قائلًا إن أمامها خيار التوصل إلى اتفاق أو مواجهة ما وصفه بإمكانية «إبادة» الجمهورية الإسلامية، في حال عدم التوصل إلى تسوية تنهي الحرب وتمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. كما دعا الدول الأخرى إلى ممارسة ضغط اقتصادي أكبر على طهران.
لكن اللافت أن هذا الخطاب التصعيدي تزامن مع تطور دبلوماسي لم يكن معلنًا قبل ساعات من حدوثه. فقد كشف ترامب أن مبعوثه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر شاركا في اجتماع استمر نحو ثلاث ساعات مع الجانب الإيراني على هامش اجتماعات الجمعية العامة.
وصف ترامب اللقاء بأنه «جيد جدًا»، بينما قال ويتكوف إن المحادثات جرت عبر وسطاء وإن الجولة التي عُقدت على هامش الجمعية العامة انتهت، مع استمرار جهود الوسطاء أملاً في أن تكون المحادثات «بناءة وواعدة».
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي يبرزها مقال عبد الله حسن: التهديد لم يكن بالضرورة بديلًا عن التفاوض، وإنما ظهر في الوقت نفسه كأداة ضغط على طاولة التفاوض.
نيويورك.. اختبار لإمكانية العودة إلى التفاوض
المحادثات الأخيرة لا تعني أن اتفاقًا أمريكيًا–إيرانيًا أصبح قريبًا بصورة مؤكدة، إذ لا تزال هناك فجوات كبيرة بين الطرفين، كما أن الجانب الإيراني نفى التخلي عن شروطه السابقة المتعلقة بالعودة إلى المفاوضات وإعادة فتح مضيق هرمز.
لكن مجرد انعقاد هذه الاتصالات، بعد فترة من القطيعة والتصعيد العسكري، يحمل دلالة سياسية مهمة؛ إذ يشير إلى أن القنوات الدبلوماسية لم تُغلق بالكامل، وأن الطرفين يختبران إمكانية بناء مسار يمكن أن يقود إلى وقف التصعيد.
وتزامن ذلك مع تحرك عربي واضح في نيويورك؛ فقد ناقش ترامب مع عدد من القادة والمسؤولين العرب والخليجيين سبل خفض التصعيد، في ظل استمرار الحرب وتأثيراتها على أمن المنطقة والممرات البحرية والطاقة. وقال مسؤولون أمريكيون إن هناك توافقًا على ضرورة إيجاد طريق يؤدي إلى تهدئة مؤقتة يمكن أن تفتح الباب أمام مسار أطول.
مضيق هرمز.. من ساحة حرب إلى ورقة تفاوض
أحد أهم الملفات التي تجعل الحرب الإيرانية مختلفة عن صراعات إقليمية أخرى هو مضيق هرمز.
فالمضيق لا يمثل قضية أمنية تخص إيران ودول الخليج فقط، وإنما أحد أهم الممرات البحرية للطاقة عالميًا. ولذلك فإن استمرار إغلاقه أو تهديد الملاحة عبره يرفع تكلفة الحرب إلى مستوى يتجاوز أطراف الصراع المباشرين، ويمس أسواق النفط والاقتصاد العالمي.
ولهذا تبدو مسألة إعادة فتح المضيق مرتبطة مباشرة بأي تسوية محتملة. وتشير تقارير حديثة إلى أن إيران تربط إمكانية إعادة فتحه بمجموعة من الشروط، في مقدمتها تخفيف الضغوط الأمريكية.
ومن هذه الزاوية، يصبح المضيق ورقة ضغط إيرانية وهدفًا تفاوضيًا أمريكيًا في الوقت نفسه: طهران تستطيع استخدامه للضغط، وواشنطن تريد إنهاء تأثيره على أسواق الطاقة والملاحة.
فلسطين.. الملف الموازي في حسابات ترامب
يربط عبد الله حسن بين الحرب الإيرانية والتطورات الفلسطينية، ويرى أن إسرائيل استفادت من انشغال العالم بالحرب لتواصل عملياتها في الأراضي الفلسطينية.
وتتزامن هذه القراءة مع استمرار حضور القضية الفلسطينية بقوة في اجتماعات الجمعية العامة، حيث انتقد قادة دول عدة العمليات الإسرائيلية في غزة وطالبوا بمسار سياسي للقضية الفلسطينية، بينما تحاول الإدارة الأمريكية إبقاء ملف غزة ضمن شبكة أوسع من ترتيبات الأمن الإقليمي.
وهنا تصبح الإشارة إلى قمة شرم الشيخ للسلام مهمة، ولكن مع ضرورة ضبط التسلسل الزمني: القمة عُقدت بالفعل في 13 أكتوبر 2025 برئاسة مشتركة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وترامب، وشارك فيها قادة أكثر من عشرين دولة، وكان هدفها دعم اتفاق إنهاء الحرب في غزة وآليات تنفيذه.
وبالتالي فإن الإشارة إلى اتفاق شرم الشيخ في مقال عبد الله حسن تستند إلى حدث حقيقي، لكن التطورات الحالية ينبغي قراءتها باعتبارها مرحلة لاحقة من مسار ذلك الاتفاق وما ترتب عليه، وليس باعتبار القمة حدثًا وقع خلال اجتماعات الجمعية العامة الحالية.
هل كان «لقاء بزشكيان وترامب» هو المفاجأة؟
طرح المقال احتمال عقد لقاء مباشر بين ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، باعتباره إحدى المفاجآت المحتملة في نيويورك.
لكن حتى وقت إعداد هذه القراءة، لا يوجد ما يثبت عقد لقاء مباشر بين الرجلين. المؤكد هو وصول بزشكيان إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، بالتزامن مع استئناف الاتصالات الأمريكية–الإيرانية على مستوى المبعوثين والوسطاء.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن الانتقال من محادثات عبر الوسطاء ومبعوثين إلى اجتماع مباشر بين الرئيسين سيكون خطوة سياسية مختلفة في حجمها ودلالتها، ولا ينبغي التعامل معها كأمر تحقق بالفعل قبل صدور تأكيد رسمي.
ترامب وشي.. إيران حاضرة في القمة الأمريكية–الصينية
يضع المقال الملف الإيراني أيضًا في سياق أوسع يتعلق بلقاء ترامب المرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينج.
ومن المقرر أن يستقبل ترامب شي في البيت الأبيض يوم 24 سبتمبر 2026، في زيارة رسمية هي الأولى للرئيس الصيني إلى البيت الأبيض منذ أكثر من عقد. وتأتي القمة في ظل ملفات خلافية تشمل التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان، إلى جانب الحرب الإيرانية.
لكن الملف الإيراني يمثل نقطة حساسة بصورة خاصة، لأن الصين ترتبط بعلاقات اقتصادية وطاقة مع إيران، بينما تسعى واشنطن إلى ممارسة مزيد من الضغط الاقتصادي على طهران.
وفي المقابل، لا تبدو بكين مستعدة بسهولة لقطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران. ولذلك فإن محاولة ترامب الحصول على تعاون صيني في الملف الإيراني ستصطدم بحسابات صينية أوسع تتعلق بالطاقة والتجارة والعلاقة مع واشنطن.
الرسالة الأهم من نيويورك
تكشف تطورات نيويورك أن السياسة الأمريكية تجاه إيران تتحرك على مسارين متوازيين: الأول يقوم على التهديد والضغط والعقوبات وإظهار التفوق العسكري، والثاني يختبر إمكانية العودة إلى التفاوض عبر الوسطاء والمبعوثين.
وهذا التزامن ليس تناقضًا بالضرورة؛ فالضغط العسكري والسياسي يمكن أن يستخدم لتحسين شروط التفاوض، بينما يمثل فتح قنوات الاتصال وسيلة لمنع التصعيد من التحول إلى حرب بلا سقف.
لكن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بقدرة واشنطن وطهران على معالجة الملفات الأصعب: البرنامج النووي، العقوبات، مضيق هرمز، الضمانات الأمنية، ومستقبل الوجود والنفوذ الإيراني في المنطقة.
ومن هنا تأتي أهمية مقال عبد الله حسن؛ فهو يلفت الانتباه إلى أن تهديدات ترامب في نيويورك لا ينبغي قراءتها منفصلة عن التحركات الدبلوماسية التي جرت في الكواليس. فبينما كانت المنصة الدولية تشهد لغة شديدة التصعيد، كانت القنوات الخلفية تختبر إمكانية الوصول إلى تفاهم.
وهذه ربما تكون المفارقة الأبرز في مشهد نيويورك الحالي: ترامب يرفع سقف التهديد علنًا، لكنه في الوقت نفسه يترك باب التفاوض مفتوحًا. وإيران، رغم خطاب المواجهة، لم تغلق بدورها الباب أمام الاتصالات غير المباشرة.
أما السؤال الذي يبقى مفتوحًا، فهو ما إذا كانت هذه الاتصالات ستتحول إلى مسار تفاوضي حقيقي يقود إلى وقف الحرب، أم أنها ستظل مجرد محاولة لالتقاط أنفاس مؤقتة في صراع ما زالت أسبابه الأساسية قائمة.





