من التهجير إلى المماطلة.. عبد الله حسن يرصد إخفاق الخطة الإسرائيلية في غزة

موقع بيان الإخبارى

في مقاله المنشور بموقع «فيتو» تحت عنوان «الخطة الإسرائيلية الفاشلة للقضاء على فلسطين»، يقدم الكاتب الصحفي الكبير عبد الله حسن قراءة للمسار الإسرائيلي في قطاع غزة، معتبرًا أن تل أبيب حاولت استغلال انشغال الإقليم والعالم بسلسلة من الحروب والتوترات الممتدة من إيران ومضيق هرمز إلى جنوب لبنان واليمن ومنطقة الخليج، لتمرير مخطط يستهدف تصفية القضية الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.

ولا يتعامل المقال مع الحرب الإسرائيلية باعتبارها عملية عسكرية محدودة تستهدف حركة حماس فحسب، بل يضعها في إطار أوسع يرى فيه الكاتب محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا والسكان ومستقبل القضية الفلسطينية، عبر الجمع بين القصف والتدمير والتهجير القسري، وتوسيع مساحة الاستيطان والاستيلاء على ما تبقى من الممتلكات الفلسطينية.

أداتان لإعادة تشكيل الواقع

يرى عبد الله حسن أن الخطة الإسرائيلية اعتمدت على تدمير المدن والقرى الفلسطينية، ودفع السكان إلى مخيمات في العراء، بالتزامن مع منح المستوطنين مساحة للتحرك والاستيلاء بالقوة على المنازل والمزارع التي غادرها أصحابها تحت ضغط العمليات العسكرية.

وبحسب قراءة الكاتب، فإن تكرار مشاهد القتلى والمصابين من الرجال والنساء والأطفال على شاشات الفضائيات لم يعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، وإنما أصبح جزءًا من مشهد إنساني وسياسي يهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني، وتفكيك قدرته على الصمود، وتحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى أزمة إغاثية وسكانية مفتوحة.

وهنا تكمن خطورة المخطط، وفق المقال، في أن تدمير البنية العمرانية والاجتماعية لا يستهدف الحاضر فقط، بل يهدد بإعادة صياغة مستقبل القطاع، من خلال جعل العودة إلى الحياة الطبيعية أمرًا بالغ الصعوبة، وربط أي إعادة إعمار بشروط سياسية وأمنية إسرائيلية.

اختبار بين المسار السياسي والهدف الإسرائيلي

ينتقل الكاتب إلى اتفاق السلام الذي وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمة شرم الشيخ، التي دعا إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي بمشاركة أكثر من عشرين رئيس دولة في أكتوبر الماضي.

ويشير المقال إلى أن الاتفاق تضمن عشرين بندًا، من بينها استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية، والوصول إلى سلام عادل يقوم على إقامة الدولة الفلسطينية.

لكن عبد الله حسن يلفت إلى أن الاختبار الحقيقي لم يكن في صياغة البنود، وإنما في مدى استعداد إسرائيل لتحويل الاتفاق من وثيقة مرحلية إلى مسار سياسي ينهي الحرب ويؤسس لحل عادل للقضية الفلسطينية.

ويعتبر الكاتب أن تنفيذ البند الأول، الخاص بإطلاق سراح عشرين أسيرًا إسرائيليًا وتسليم رفات 28 آخرين، كشف أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ من الجانب الفلسطيني، بينما ظلت بقية الالتزامات الإسرائيلية موضع مماطلة وتسويف.

الهدف الأكثر إلحاحًا لحكومة نتنياهو

في تفسيره للموقف الإسرائيلي، يرى الكاتب أن الأولوية الفعلية لحكومة بنيامين نتنياهو لم تكن الوصول إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية، وإنما استعادة الأسرى الإسرائيليين وتسلم رفات القتلى.

ويربط المقال ذلك بالضغط الداخلي الهائل الذي تعرضت له الحكومة الإسرائيلية، إذ واصلت عائلات الأسرى تنظيم احتجاجات متكررة أمام منزل نتنياهو، مطالبة بإقالته وتحميله المسؤولية عن عدم إعادة ذويهم.

ومن هذا المنظور، يطرح الكاتب تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة الاتفاق: هل كان يمثل خطوة نحو تسوية سياسية شاملة، أم مجرد آلية مرحلية لتحقيق هدف إسرائيلي عاجل، هو استعادة الأسرى، ثم إعادة استخدام القوة لفرض شروط جديدة؟

ويبدو، وفق قراءة المقال، أن إسرائيل تعاملت مع الاتفاق بوصفه وسيلة لتحقيق مكسب أمني وإنساني داخلي، لا باعتباره التزامًا متكاملًا يقود إلى انسحاب شامل وسلام عادل.

مصر وإفشال سيناريو التهجير

يضع عبد الله حسن الموقف المصري في قلب أسباب فشل المخطط الإسرائيلي، خصوصًا ما يتعلق بمحاولة دفع الفلسطينيين إلى مغادرة قطاع غزة باتجاه سيناء.

ويؤكد الكاتب أن رفض مصر لهذا السيناريو حال دون تحويل التهجير القسري إلى أمر واقع، مستندًا إلى الموقف الحاسم للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أعلن أن تهجير الفلسطينيين من أرضهم خط أحمر، لأنه يعني القضاء على القضية الفلسطينية نهائيًا.

وتتجاوز أهمية الموقف المصري، بحسب دلالة المقال، البعد الجغرافي أو الأمني؛ فهو يمثل دفاعًا عن جوهر القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية شعب له أرض وحقوق وطنية، وليس مجرد أزمة لاجئين يمكن نقلها من مكان إلى آخر.

كما أن رفض التهجير يحول دون تنفيذ أحد أخطر السيناريوهات الإسرائيلية، والمتمثل في تفريغ الأرض من سكانها، ثم إعادة تعريف الصراع باعتباره نزاعًا على مناطق خالية من أصحابها الأصليين.

المماطلة في نزع سلاح حماس

كما يرى الكاتب أن إسرائيل لم تتعامل مع البند الثاني من الاتفاق باعتباره التزامًا متبادلًا، إذ ربطت بدء المرحلة الأولى من الانسحاب بتسليم حركة حماس سلاحها، بينما استمرت في تأخير تنفيذ الجزء الخاص بها.

ويشير المقال إلى أن هذه المماطلة تعكس رغبة إسرائيلية في إبقاء شروط الاتفاق مفتوحة للتعديل، بحيث تحصل تل أبيب على ما تريده من الجانب الفلسطيني، بينما تؤجل أو تعيد تفسير التزاماتها المتعلقة بالانسحاب ووقف الحرب.

وهذا النمط من التعامل، وفق القراءة المطروحة، يجعل الاتفاق عرضة للتحول إلى عملية تفاوض بلا نهاية، تُستخدم خلالها المطالب الأمنية الإسرائيلية ذريعة لتعطيل الاستحقاقات السياسية، خصوصًا الانسحاب وإنهاء الاحتلال.

لماذا فشل المخطط الإسرائيلي؟

وفق رؤية عبد الله حسن، فإن فشل المخطط الإسرائيلي لا يعود إلى عامل واحد، وإنما إلى مجموعة من العوامل المتداخلة:

الرفض المصري والعربي القاطع للتهجير القسري.
تمسك الفلسطينيين بأرضهم رغم حجم الدمار والخسائر.
عدم قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها العسكرية بصورة حاسمة.
استمرار القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سياسية وحقوقية دولية.
تنامي الضغوط الداخلية على حكومة نتنياهو بسبب ملف الأسرى.
عدم قبول المجتمع الدولي بتحويل التهجير والتدمير إلى بديل عن الحل السياسي.
ارتباط أي تسوية مستقرة بإقامة دولة فلسطينية، وليس بمجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.

ويكشف ذلك أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها حسم قضية مرتبطة بالهوية والأرض والحقوق التاريخية والقانون الدولي.

من الحرب إلى التسوية.. أي مستقبل للقضية؟

تخلص القراءة فى مقال عبد الله حسن إلى أن إسرائيل قد تتمكن من تدمير المدن والبنية التحتية، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها القضاء على القضية الفلسطينية، لأن القضية لا تتوقف على وجود مبانٍ أو مؤسسات، بل تستند إلى شعب متمسك بأرضه، وحقوق معترف بها دوليًا، وقرارات أممية، ورفض إقليمي ودولي للتهجير والتصفية.

ويضع المقال اتفاق شرم الشيخ أمام اختبار حقيقي: إما أن يتحول إلى بداية لمسار سياسي يقود إلى انسحاب إسرائيلي شامل وإقامة الدولة الفلسطينية، أو يبقى مجرد اتفاق مرحلي استُخدم لاستعادة الأسرى ثم تعطيل بقية بنوده.

وفي الحالتين، فإن جوهر الصراع سيظل قائمًا ما لم تُعالج أسبابه الأساسية، وفي مقدمتها الاحتلال والاستيطان والتهجير وغياب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

وبذلك، يرى عبد الله حسن أن المخطط الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية اصطدم بعوائق سياسية ومصرية وفلسطينية ودولية، وأن محاولة فرض حل بالقوة لن تنهي القضية، بل قد تزيدها حضورًا وتعيد إنتاجها بصورة أكثر تعقيدًا على المستويين الإقليمي والدولي.

طالع المزيد: عبد الله حسن عن قمة «بريكس»: وزن اقتصادي ثقيل واختبار لإعادة الاستقرار العالمي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى