القاعدة في أفريقيا.. كيف غيّرت اللامركزية خريطة النشاط الإرهابي؟
من «الجهاد العالمي» إلى الراعات المحلية.. فروع التنظيم تستثمر هشاشة الدول والحدود المفتوحة وشبكات الاقتصاد غير الرسمي
مصادر – موقع بيان الإخبارى
شهد النشاط الجهادي في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا في خريطة الانتشار وأساليب العمل، مع تراجع قدرة القيادة المركزية لتنظيم القاعدة على إدارة عمليات واسعة من مركز واحد، مقابل تنامي نفوذ الفروع المحلية، التي باتت تتمتع بمساحات أكبر من الاستقلال في الحركة والتمويل واتخاذ القرار.
وتشير تحليلات ودراسات تناولت نشاط التنظيم في القارة إلى أن هذا التحول لم يعنِ اختفاء القيادة المركزية، وإنما انتقالًا تدريجيًا من نموذج شديد المركزية إلى شبكة أكثر مرونة، تعتمد على فروع إقليمية قادرة على التكيف مع خصوصية البيئات التي تنشط فيها، خصوصًا في منطقة الساحل وغرب وشرق أفريقيا.
وتبرز منظمة “ACLED” المعنية برصد النزاعات، إلى جانب دراسات وتقارير بحثية أخرى، التحولات الأمنية والجيوسياسية التي جعلت أفريقيا إحدى أهم ساحات نشاط التنظيمات المرتبطة بالقاعدة، في ظل اتساع مناطق ضعف الدولة، وتصاعد النزاعات المحلية، وصعوبة فرض السيطرة الحكومية على المناطق الريفية والحدودية.
من التنظيم المركزي إلى شبكة الفروع
على الرغم من الضربات التي تعرضت لها القيادة المركزية للقاعدة خلال السنوات الماضية، فإن التنظيم لم يختفِ بصورة كاملة، بل حافظ على قدر من البنية والشبكات والقدرة على إنتاج الخطاب الإعلامي والتواصل مع الفروع.
وتذهب بعض الدراسات إلى أن تراجع المركز أتاح للفروع الإقليمية مساحة أكبر لإعادة تشكيل نشاطها وفق أولويات محلية، فأصبحت التنظيمات التابعة أو المرتبطة بالقاعدة في أفريقيا أكثر ارتباطًا بالصراعات على الأرض والموارد والنفوذ، وأقل اعتمادًا على تنفيذ أجندة عالمية موحدة.
ويشير الباحث ماهر فرغلي، في دراسة تناولت تحولات التنظيم، إلى أن القاعدة لم تكن مجرد تنظيم يتحرك من مركز جغرافي واحد، وإنما امتلكت منذ سنوات بنية شبكية ساعدتها على إعادة إنتاج نفسها بعد الضربات التي استهدفت قياداتها وهياكلها.
وفي هذا السياق، برزت عدة ساحات رئيسية للنشاط المرتبط بالقاعدة في أفريقيا، من بينها حركة الشباب في شرق أفريقيا، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في منطقة الساحل، إلى جانب جماعات أخرى تنشط في غرب وشمال القارة.
الساحل.. البؤرة الأبرز
أصبحت منطقة الساحل واحدة من أبرز ساحات النشاط المرتبط بالقاعدة، خصوصًا مع تنامي نفوذ “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” في أجزاء من مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
ويرتبط صعود الجماعة، وفق تحليلات أمنية وأكاديمية، بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها ضعف مؤسسات الدولة، واتساع المناطق الخارجة عن السيطرة الحكومية، والنزاعات بين المجتمعات المحلية، إضافة إلى هشاشة الحدود وصعوبة تأمين المساحات الصحراوية الشاسعة.
ولم تعد الجماعات المسلحة تعتمد فقط على خطاب جهادي عابر للحدود، وإنما اتجهت إلى استثمار قضايا محلية شديدة الحساسية، مثل النزاعات على الأراضي والمراعي والموارد، والخلافات بين المجتمعات الرعوية والزراعية، بما سمح لها بتقديم نفسها في بعض المناطق باعتبارها طرفًا في النزاعات المحلية أو بديلًا عن مؤسسات الدولة الغائبة.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات التحول؛ إذ أصبح النشاط الجهادي أكثر التصاقًا بالتفاعلات الاجتماعية والاقتصادية اليومية للسكان، بما يجعل مواجهته أكثر تعقيدًا من مجرد استهداف قيادات التنظيمات المسلحة.
هشاشة الدولة.. مدخل إلى التمدد
تستفيد الجماعات المرتبطة بالقاعدة من بيئات تعاني ضعف الخدمات العامة والفقر والبطالة والنزاعات الإثنية والقبلية، إضافة إلى محدودية قدرة الحكومات على بسط سلطتها خارج المدن الكبرى.
وفي بعض المناطق الريفية، أدت هذه الظروف إلى نشوء فراغ أمني وإداري، حاولت الجماعات المسلحة استغلاله من خلال التدخل في النزاعات المحلية وتوفير قدر من الحماية أو فرض ترتيبات خاصة بها، بالتوازي مع تجنيد عناصر جديدة والحصول على موارد مالية.
وتشير دراسات تناولت الظاهرة إلى أن الجماعات الجهادية استفادت من النزاعات حول الأراضي والمراعي ومسارات الرعي والتجارة المحلية، كما استفادت من حالة التهميش التي تعاني منها بعض المجتمعات، الأمر الذي أتاح لها بناء علاقات مع شرائح محلية، رغم أن هذه العلاقات كثيرًا ما ارتبطت بالإكراه والعنف وفرض الإتاوات.
كما ساهم تداخل الصراعات العرقية والقبلية مع نشاط الجماعات المسلحة في جعل المشهد أكثر تعقيدًا، إذ يصعب أحيانًا الفصل بصورة واضحة بين دوافع العنف المرتبطة بالنزاعات المجتمعية وبين العمليات التي تنفذها التنظيمات المتطرفة.
الاقتصاد غير الرسمي وشبكات التمويل
يمثل التمويل أحد العناصر الأساسية التي ساعدت فروع القاعدة على الحفاظ على وجودها، خصوصًا في المناطق التي تنتشر فيها أنشطة اقتصادية غير رسمية واسعة.
وتشير الدراسات إلى اعتماد الجماعات المسلحة على مصادر متعددة للتمويل، بينها فرض الإتاوات والضرائب غير الرسمية، والفديات، والارتباط بشبكات التهريب والاقتصاد غير المشروع، فضلًا عن الاستفادة من حركة السلع عبر الحدود والمناطق النائية.
وفي بعض مناطق الساحل، أدى ضعف الرقابة على الحدود وانتشار شبكات التهريب إلى نشوء تداخل بين الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة، بحيث أصبحت بعض الأنشطة الإجرامية مصدرًا للموارد، بينما وفرت الجماعات المسلحة في المقابل الحماية أو السيطرة على طرق ومناطق تستخدمها شبكات غير قانونية.
ولا يعني هذا التداخل بالضرورة اندماج التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة في كيان واحد، لكنه خلق مصالح مشتركة في بعض المناطق، وجعل مكافحة الإرهاب مرتبطة بصورة متزايدة بمواجهة شبكات الجريمة والتهريب والاقتصاد غير الرسمي.
حركة الشباب.. نموذج مختلف للاستقلالية
في شرق أفريقيا، تمثل حركة الشباب نموذجًا بارزًا لفروع القاعدة التي استطاعت بناء قدرات مالية وتنظيمية محلية واسعة.
وتشير التحليلات إلى أن الحركة استفادت من قدرتها على جمع الموارد داخل المناطق التي تنشط فيها، ومن شبكات اقتصادية محلية وإقليمية، الأمر الذي منحها قدرًا من الاستقلال عن القيادة المركزية للتنظيم.
وتكشف هذه الحالة عن طبيعة التحول الذي طرأ على القاعدة؛ فكلما ازدادت قدرة الفرع المحلي على تأمين موارده وبناء شبكاته الاجتماعية والاقتصادية، تراجعت حاجته إلى الاعتماد المباشر على المركز، وأصبح أكثر قدرة على تحديد أولوياته وفقًا للبيئة المحلية.
الحدود المفتوحة والجغرافيا الصعبة
تلعب الطبيعة الجغرافية للقارة دورًا مهمًا في صعوبة مواجهة الجماعات المسلحة، خصوصًا في منطقة الساحل والصحراء، حيث تمتد مساحات شاسعة يصعب تأمينها بصورة كاملة.
وتتيح المناطق الصحراوية والجبال والوديان والمناطق الريفية النائية مساحات للحركة والاختباء، بينما تؤدي الحدود الطويلة بين دول المنطقة إلى تعقيد عمليات المراقبة والملاحقة.
كما أن ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية في بعض الدول يجعل الحدود بيئة ملائمة لتحرك الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، وهو ما يفرض تحديًا يتجاوز قدرة أي دولة منفردة على التعامل معه.
الانقلابات والأزمات السياسية
فاقمت الانقلابات العسكرية والأزمات السياسية في عدد من دول الساحل حالة عدم الاستقرار، وأثرت على قدرة المؤسسات الأمنية على وضع استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة الجماعات المسلحة.
كما أدى تعدد القوات والميليشيات المحلية وقوات الدفاع الذاتي إلى تعقيد المشهد، خاصة عندما تتداخل مهام هذه التشكيلات مع النزاعات العرقية أو القبلية.
وفي بعض الحالات، أدى تسليح جماعات محلية لمواجهة جماعات أخرى إلى دورة جديدة من العنف، استفادت منها التنظيمات الجهادية في تقديم نفسها باعتبارها طرفًا قادرًا على حماية بعض المجتمعات أو استغلال شعورها بالتهميش والخوف.
التدخلات الأجنبية.. عامل إضافي في المشهد
شهدت منطقة الساحل خلال السنوات الماضية تدخلات عسكرية وأمنية خارجية، كان أبرزها الوجود الفرنسي في مرحلة سابقة، إلى جانب دخول جهات روسية إلى بعض ساحات الصراع.
وتشير تحليلات إلى أن الوجود الأجنبي أصبح أحد العناصر التي تستخدمها الجماعات المتطرفة في خطابها الدعائي، من خلال تقديم الصراع باعتباره مواجهة مع قوى خارجية، وهو ما قد يساعدها على استقطاب شرائح من السكان المتضررين من الصراعات أو الرافضين للتدخل الخارجي.
لكن تأثير التدخلات الأجنبية لا يمكن فصله عن عوامل داخلية أكثر عمقًا، تتعلق بضعف مؤسسات الدولة والنزاعات المحلية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
من «النكاية» إلى التمكين المحلي
يكشف مسار القاعدة في أفريقيا عن تغير في طبيعة الأولويات؛ فبدلًا من التركيز حصريًا على العمليات العابرة للحدود، أصبحت فروع التنظيم أكثر اهتمامًا ببناء نفوذ طويل الأمد داخل المناطق التي تنشط فيها.
ويظهر ذلك في التركيز على السيطرة على طرق الحركة والتجارة، وفرض الموارد والإتاوات، والتدخل في النزاعات المحلية، وبناء شبكات من العلاقات مع بعض المجتمعات، وهي ممارسات تساعد التنظيمات على الحفاظ على وجودها حتى في ظل الضربات العسكرية.
ويفسر ذلك جانبًا من قدرة هذه الجماعات على الصمود؛ فاستهداف القيادات لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التنظيم عندما تكون لديه شبكات محلية قادرة على إعادة إنتاج نفسها.
تحدٍ أمني يتجاوز الحدود
تكشف تجربة القاعدة في أفريقيا أن التهديد لم يعد مرتبطًا بتنظيم مركزي واحد يمكن استهداف قياداته لإنهاء نشاطه، وإنما أصبح أكثر تشعبًا، مع وجود فروع وتنظيمات محلية تمتلك درجات متفاوتة من الاستقلال.
وهذا التحول يفرض تحديات جديدة على دول القارة، لأن مكافحة الإرهاب لم تعد مسألة أمنية فقط، وإنما ترتبط كذلك بقدرة الدولة على إدارة النزاعات المحلية، وتوفير الخدمات، وتحسين إدارة الحدود، وتجفيف مصادر التمويل، ومعالجة أسباب التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
كما أن تداخل الإرهاب مع الجريمة المنظمة والنزاعات المحلية يجعل المواجهة أكثر تعقيدًا، ويصعب اختزالها في الحل العسكري وحده.
الخلاصة
تبدو خريطة النشاط المرتبط بالقاعدة في أفريقيا أكثر لامركزية مما كانت عليه في مراحل سابقة. فبينما حافظ التنظيم المركزي على قدر من الوجود والقدرة على التواصل، أصبحت الفروع الإقليمية صاحبة الدور الأبرز في إدارة النشاط على الأرض.
وتشير هذه التطورات إلى أن استمرار الجماعات الجهادية في أفريقيا يرتبط بمجموعة من العوامل المتشابكة، تبدأ بضعف حضور الدولة في المناطق النائية، ولا تنتهي عند النزاعات المحلية والحدود المفتوحة وشبكات الاقتصاد غير الرسمي والجريمة المنظمة.
ومن ثم، فإن التعامل مع الظاهرة يتطلب تعاونًا عابرًا للحدود، وتبادل المعلومات، وتجفيف مصادر التمويل، إلى جانب تعزيز مؤسسات الدولة ومعالجة النزاعات المحلية التي تستغلها الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها.
فالتحول الأخطر في المشهد الأفريقي لا يتمثل فقط في بقاء تنظيم القاعدة، وإنما في قدرته على إعادة إنتاج نفسه داخل بيئات محلية مختلفة، بحيث يصبح استهداف المركز وحده غير كافٍ لفهم شبكة معقدة من الفروع والمصالح والنزاعات والاقتصادات غير الرسمية.
طالع المزيد: تنظيم القاعدة يبحث في حضرموت عن ثغرة للعودة





