شبراوى خاطر يكتب: لا جديد تحت الشمس.. حكومة لا تعمل إلا بالتوجيهات
موقع بيان الإخبارى
طالعتنا منذ عدة أيام وسائل الإعلام بقولها: “أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي توجيهات حاسمة للحكومة وأجهزة الدولة تقضي بـإعداد تقرير شامل ودقيق عن الإنجازات الفعلية التي تم تنفيذها في جميع قطاعات الدولة والمشروعات القومية خلال السنوات الماضية، وعرضها مباشرة على المواطنين.”
وأشارت هذه التوجيهات إلى العمل على ترسيخ مبدأ الشفافية، والتعريف بحجم الجهود المبذولة، والأموال المنفقة، والنتائج المحققة لتعزيز الوعي القومي ومواجهة الشائعات.
إلى هنا.. دعوني أخوض قليلاً وأعرض وجهة نظري في هذا الأمر. خاصة أن المعلومات المتداولة في وسائل الإعلام التي تتصل بهذه “التوجيهات الرئاسية” للتعريف بالإنجازات، قد صدرت مع آليات تنفيذها كما نُشرت، مثل, إشراك المتخصصين والمفكرين إذ وجّه الرئيس بفتح المجال أمام المفكرين، والخبراء، وأساتذة الجامعات للمشاركة في استعراض التحديات والحلول الجريئة التي اتخذتها الدولة.
فهل نفهم من ذلك أنها شئ من قبيل الأوامر الحكومية لنفس الفئات الموالية والموافقة على كل ما تفعله هذه الحكومة دونما أي مشاركة من هؤلاء منذ البداية في مرحلة التخطيط لصنع تلك الإنجازات التي يعتقد الرئيس أن الشعب لا يراها؟، والتي بدلاً من أن تقود إلى الشعور بالفخر والإعتزاز والتقدير، أصبحت أرض خصبة لتفشي شائعات لا تستطيع الحكومة بما لها من إمكانات وأبواق وأفواه وميكرفونات لمواجهتها وتفنيدها.
وأيضاً من التوصيات الرئاسية، تطوير آليات التواصل الحكومي وعدم الاكتفاء بالإعلان التقليدي عن المشروعات، على سبيل المثال إعلانات الضرائب ووزارة الكهرباء ومبادرات وزارة الأوقاف للتوعية الأخلاقية، أو حملات “صالون تجميل” الشركة المتحدة للإعلام والإعلان، بل وطالبت هذه التوصيات بالتركيز على توضيح أهداف تلك المشروعات، ونسب تنفيذها، وعائدها المباشر على تحسين حياة المواطنين اليومية – والتي لم يراها أو يشعر بها المواطن حتى الآن على الرغم من أن المواطن هو الممول الرئيسي لتلك المشروعات بالإضافة إلى تحمله أعباء بعض المسئولين وتحمل ضعف قوة آدائهم واختلال أمانة بعضهم.
وما أضحكني إلى حد البكاء بالتوجيه بالتركيز على جودة الخدمات من أجل إبراز الإنجازات الملموسة في القطاعات الحيوية التي تمس المواطن بشكل مباشر؛ مثل النقل، والصحة، والتعليم، والإسكان، وتطوير الريف (مبادرة حياة كريمة)، فما تراه الحكومة هنا عكس ما يراه المواطن، ربما بسبب فشل الإعلام الحكومي والمؤسسي في نشر المعلومات والتأثير على اتجاهات الناس، ليُريهم الصورة كما تراه الحكومة.
ويأتي التوجيه بالحفاظ على الروح المعنوية والوعي حيث شدد الرئيس على أهمية استخدام الحقائق الموثقة والمعلومات الدقيقة كأداة أساسية لدعم الرأي العام، والابتعاد عن الإحباط، وتفنيد المعلومات المغلوطة.
إلى هنا يبرز تساؤل كوني: هل في صالح صورة الرئيس أن هذه الحكومة المعينة والمختارة بدقة لا تعمل إلا بالتوجيهات الرئاسية؟ فماذا يحدث إذا لم يقم الرئيس بالتوجيه؟ فما هو دور ووظيفة هذه الحكومة؟ بل تخيلوا أنه حتى الآن يذاع على موجات الراديو إعلان لوزارة العدل تبدأ بعبارة “بناءا على توجيهات رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي تم افتتاح فروع الشهر العقاري… أو كما يذاع. وهذا سؤال للمتخصصين!
إلى الآن يعتبر طلب الرئيس، “كلام جميل .. كلام معقول ما أقدرش أقول حاجة عنه”، لكن تأثيره سيكون لحظي ومؤقت، إذ سارعت معظم مؤسسات الدولة لإصدار “تقرير الإنجازات” والذي ربما يستفيد منه بعض المرتزقة وصنايعية الكلام، وحاملي أبواق النفاق، ويبرز المراؤون والساعون نحو تعزيز المكانة وكسب السمعة، وفي هذا المناخ تتوارى الأفعال، وتقتصر على تشكيل اللجان الرئيسية وتنبثق منها اللجان الفرعية، ويختلط المتخصصون والمفكرون والخبراء والأساتذة وتمتزج المصالح، وتتعارض أحياناً، ويبدأ خوض السباق لكسب واكتساب أدوار في تنفيذ “التوجيهات الرئاسية” ثم تهدأ العاصفة، ويخفت الصوت، وتظل “الإنجازات” لا يعلم عنها المواطن سوى أنها سببا في اختناقه وتكدير لمعيشته.
وكما تظل الخدمات الحكومية في محلها كما هي، تكرر أخطائها، مع عدم نسيان ارتكاب أخطاء جديدة، فالحكومة الموقرة سوف تدّعي بأنها تقدمت خطوات واسعة في تحسين الخدمات، وهذا ما تراه الحكومة – ولا بأس في ذلك، هي حرة فيما تراه – بل وهي حرة أن ترى ما يراه المواطن كما تريد أن تراه وليس كما يراه هو في الحقيقة.
وبذلك نصل إلى سوء الفهم المتبادل، وتدهور مستوى المصداقية وتقلص حجم الثقة، حيث تؤكدها تصريحات المسؤولين بجهلهم التام بمبادئ التخاطب والتواصل مع المواطن العادي، والذي أصبح يرى أي وعود حكومية بأنها تصريح مبطن لعكس ما يقول اللسان.
ونعود لتكرار وتجديد نفس الأساليب القديمة، ونفس نوع الخطاب الإعلامي، وما قد يصاحبه من الخطاب الديني على المنابر، بكلمات وعبارات “مهروسة من قبل”، بنفس طقوس الآداء المصطنعة، ونفس التظاهر بالوطنية، ونفس الأغاني وبل ونفس ردود الأفعال الشعبية المتشككة، بل وغير المصدقة!.
ومن ثم تستمر الشكوى الرئاسية، من عدم وعي الشعب بالإنجازات، وعدم تقديره لجهد الأبطال الذين صنعوا المعجزات التي لم يروها تنعكس بشكل واضح على حياتهم ومعيشتهم.
ويستمر الرئيس يحلم ويجتهد ويواجه الخارج والداخل، بينما يجتهد أعضاء الحكومة في التصريحات والوعود والكلام عن الإنجازات، حتى أصبح المواطن العادي ينكر وجود تلك الإنجازات، وأصبح يراها مشروعات دفع ثمنها من معيشته وحياته وكده وجده، ويطلع علينا رئيس الحكومة ليقول لنا أن الحكومة تتحمل عبء توفير الرفاهية إلى الشعب وتحسين الخدمات الموجهة إليه.
من أين لكم هذا؟ وما هذا الإجتراء وقدرتكم على الإستهانة بذكاء الناس؟
فإذا كانت “قضية الخدمات على رأس الأولويات” من السلع والمنتجات البترولية، والصحة والسكان والتنمية المحلية والداخلية والكهرباء والطاقة المتجددة والمالية والتربية والتعليم والتعليم الفني والإسكان والمرافق والمجتمعات، واستمرار العمل على تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. فهل إن صدقت الحكومة في مساعيها وأهدافها، أن ذلك يعني بأننا أمام مواطن جاحد ناكر للجميل؟
لقد طلب الرئيس من الحكومة والمثقفين والمفكرين وكل المهتمين بمصر وشؤونها خلال هذا المؤتمر أن يتم تناول كل ما تم تنفيذه خلال السنوات الماضية، داعيًا المواطنين المهتمين لمتابعة هذا المؤتمر، كما طلب من الحكومة أن تستفيض في طرح الموضوعات المختلفة، ونعطي الفرصة للمفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات للمشاركة ليكون فرصة لعرض الموضوعات والتحديات والمشروعات التي تم تنفيذها وتناولها لمدة أسبوع أو عشرة أيام، ونتحدث بشفافية ومصداقية.
وبمناسبة تكرار كلمة “شفافية” في سياق تلك التوجيهات عدة مرات، هنا ينبغي التنويه الموجه “لمؤسسات الدولة” وهي تستعد لإعداد تقرير إنجازاتها بأن للشفافية معنى أتفق عليه خبراء العلاقات العامة وخبراء الإدارة وتتلخص في أنها “أن ما تفكر فيه، هو ما تقوله، هو ما تفعله” ولكني في حالة شك من أن وزراءنا ومسؤولينا يدركون هذا المعنى تماماُ، حيث أصبح تكريس حالة سوء الفهم وما يصحبه من سوء التفاهم من الممارسات الشائعة بداية من التصريحات المنسوبة لرئيس مجلس الوزراء إلى أصغر مسؤول في اي مؤسسة حكومية، لأنه أذا أصدر تصريح (كلامي) يبث التفاؤل بين المواطنين، ثاني يوم يحدث (فعل) يمثل العكس تماماً، وهنا نأتي إلى استمرار العملية العشوائية (ولا أقول الممنهجة والمتعمدة) لتدمير المصداقية الحكومية التي غالباً ما تؤدي إلى تراجع مخيف لمؤشر الثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه، هل تكمن المشكلة في أن الناس لا تدرك حجم الإنجازات، ولا تعرف عن المشروعات، أم أنهم لا يعترفون من الأساس بأن ما تم تنفيذه يمثل إنجازات؟
ثم هل يكمن الحل في إنفاق الملايين على تنظيم مؤتمر (مؤتمرات موسعة) للخوض في قضية التعريف بالإنجازات، مؤتمر يشارك فيه نفس الوجوه ونفس الحناجر بنفس الأشخاص المشكوك في مصداقيتهم، وهل اعتماد نفس الأساليب واستخدام نفس الأدوات قد يمثل الحل المناسب؟ بما في ذلك أغنية “يا مصر بتعمليها إزاي؟”
أم هل سينطبق على أسلوبنا في طريقة اتصالنا وإعلامنا المعاصر الحكمة القديمة الراسخة القائلة بأنه “لا جديد تحت الشمس” والتي تُنسب للنبي سليمان حيث قال: ما كان سيكون، وما صُنع سيُصنع ثانية، فلا جديد تحت الشمس”.
وكما تعودت، فإنني عندما أشير إلى مشكلة، أجتهد لاقتراح حلول، ودائماً ألجأ إلى مهنة العلاقات العامة لأرى كيف تساعد في الإسهام بوضع بعض الحلول. لأنه كما يشير الخبراء أنها مهنة لها وظيفة إدارية تقدم حلول مختلفة لمشاكل مختلفةـ وتقدم أشياء مختلفة لجماهير مختلفة.
ولأن “التوجيهات الرئاسية” الصادرة، تمثل بشكل مباشر إسناد وظيفي “لتبني استراتيجيات التواصل والعلاقات العامة”، لذا فإن هذه القضية تتطلب جهود خبراء العلاقات العامة في مصر وهم كُثر من أجل التخطيط الفعّال والمبدع والذي يقع في صميم كافة أنشطة العلاقات العامة وما يتصل بها.
ولأن هذا المجال يشهد تطور وتحولات مستمرة؛ فلم يعد كافياً مجرد معرفة “كيفية” إنجاز برامج التواصل، بل بات لزاماً على القائم بالاتصال الفعال أن يدرك “ما” يجب فعله و”لماذا وكيف”، فضلاً عن معرفة كيفية تقييم مدى فعالية النهج المتبع.
( فبناء المصداقية، واكتساب الثقة والحفاظ عليها وصيانتها، ومعالجة سوء الفهم والترويج للأفكار، كلها تنبع من نزعة إنسانية أصيلة ومشروعة) ولم يقتصر الأمر على الاستعانة بـ “صنايعية” وفنيى العلاقات العامة لأداء تلك المهام المحددة، في الغالب، مثل صياغة البيانات الصحفية، وإعداد الخطابات، وإنتاج مقاطع الفيديو، وإصدار النشرات الإخبارية، ونشر الصور وإعداد اللقاءات الإعلامية، وتنظيم الندوات المعارض، وما إلى ذلك؛ أما اليوم، فقد أصبحت المهنة تتطلب كفاءة عالية في إجراء البحوث قبل وبعد، وتحليل الواقع، ودراسات الجماهير والرأي العام قياس نبض واتجاهات المواطنين، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات، وأصبح التركيز منصباً على الحاجة إلى “قائمين بالاتصال الاستراتيجي”.
وأيضا نحن في هذا الحل نؤكد أنه لا جديد تحت الشمس.
طالع المزيد: شبراوى خاطر يكتب: العلاقات العامة كما ينبغي أن يعرفها أعضائها





