د. سليم الخراط يكتب: رسالة مفتوحة إلى السيد الرئيس أحمد الشرع

 أموال السوريين ليست غنائم حرب

موقع بيان الإخبارى

سيادة الرئيس ..

من واقع لا يمكن التغافل عنه ونحن ثورة اختصرت طريق عودة الحرية والكرامة للوطن والمواطن بأثمان باهظة من الدماء والأرواح ..
بكلمات شرحت الكثير تعبر عن كل مواطن يتمنى ويسأل وهي كلمات منقولة عن عبد الله رحال ..!!؟
يقول :

السيد الرئيس أحمد الشرع ..
أموال السوريين ليست غنائم حرب، ولا ملكاً للمنتصرين أو المحرّرين ..!!
من يملك الخمسين مليار دولار ..!!؟
ومن يدير الصندوق السيادي ..!!؟
وإلى متى سنبقى في جمهورية الصناديق السوداء ..!!؟

السيد رئيس الجمهورية أحمد الشرع،
أكتب إليك اليوم لا لأجاملك، ولا لأنافقك، ولا لأطبّل لك، ولا لأصفّق لقراراتك .
فأنت لست بحاجة إلى تصفيقي، وأنا لست بحاجة إلى رضاك .
أنت اليوم راعٍ، ومسؤول أمام الله وأمام السوريين عن الأمانة التي تحملها، وعن حقوق شعب أنهكته الحرب، وسُرقت ثرواته، ودُمرت مؤسساته، ودفع من دم أبنائه ومستقبل أجياله ثمناً لا يمكن تعويضه .

لهذا، أريد أن أبدأ معك من حقيقة أخلاقية لا تحتمل المساومة :
الأموال التي استُعيدت من منظومة النظام البائد، إن ثبتت ملكيتها العامة بصورة قانونية، ليست غنائم حرب، وليست ملكاً للمنتصرين، ولا للمحرّرين، ولا للثوار، ولا لمن وصل إلى السلطة بعد سقوط النظام .
إنها حقوق الشعب السوري ..
حقوق الفلاح الذي ينتظر ثمن قمحه، والعامل الذي ينتظر أجره، والموظف الذي يعجز راتبه عن إطعام أسرته، والطفل الذي يستحق مدرسة، والمريض الذي يستحق مستشفى، وملايين السوريين الذين خسروا بيوتهم وأرزاقهم ومستقبلهم .
وإذا كان السوريون قد ثاروا على نظام استباح المال العام وحوّله إلى ملكية خاصة لمراكز النفوذ، فلا يجوز أن تكون نتيجة تضحياتهم مجرد انتقال السيطرة على تلك الأموال من يد إلى يد أخرى، مهما كانت صفة اليد الجديدة .
فالتحرير لا يمنح ملكية الوطن، والانتصار لا يمنح حق التصرف بثروات الشعب خارج القانون .

سيادة الرئيس ..
بتاريخ 9 تشرين الأول 2026، نشرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية تقريراً عن الصندوق السيادي السوري، ونقلت فيه تقديراً منسوباً إلى وزيركم ..!! وزير المالية بأن قيمة أصول الصندوق بلغت نحو خمسين مليار دولار .
خمسون مليار دولار، يا سيادة الرئيس ..!!
وأنا، بصفتي مواطناً سورياً، لا أستطيع التعامل مع هذا الرقم باعتباره مجرد خبر اقتصادي عابر .
فما طبيعة هذه الخمسين ملياراً ..!!؟
هل هي قيمة سوقية لأصول وشركات وعقارات ..!!؟
أم هي حقوق ملكية وحصص اقتصادية ..!!؟
وهل انتقلت هذه الممتلكات فعلياً إلى الدولة، أم ما زال بعضها خاضعاً لتسويات واتفاقات ونزاعات ..!!؟
من وضع هذا التقييم ..!!؟
وعلى أي أساس ..!!؟
وأين الجرد الرسمي للأصول ..!!؟
وأين القوائم المالية ..!!؟
ومن دقّق في ملكيتها وقيمتها ..!!؟ وما حجم الإيرادات التي تحققت منها، وأين ذهبت ..!!؟
والأهم : من يملك صلاحية التصرف بهذه الثروات، ومن يراقبه، ومن يحاسبه ..!!؟
إن التقرير الصحفي لا يثبت بحد ذاته وجود خمسين مليار دولار في خزائن الدولة، لكنه يضع أمام الرئاسة مسؤولية توضيح رقم بهذه الضخامة نُسب إلى وزير ماليتها .

سيادة الرئيس ..
أنت من أصدر المرسوم رقم 113 لعام 2025، الذي أحدث الصندوق السيادي وربطه برئاسة الجمهورية .
والمرسوم نفسه ينص على أن مديره العام يُعيَّن بمرسوم، وأن أعماله تخضع للتدقيق والرقابة .
لكننا حتى اليوم نبحث عن إجابات واضحة حول هوية المدير العام، ومرسوم تعيينه، وطبيعة الصلاحيات التي يمارسها الأشخاص الذين تذكر التقارير الصحفية أسماءهم في إدارة هذه الأصول .
ومن بين هذه الأسماء إبراهيم سكرية، المعروف باسم «أبو مريم الأسترالي» .
ولا أريد هنا أن أحاكم الرجل، ولا أن أتهمه بسرقة دولار واحد دون دليل .
لكنني أسألك : ما صفته الرسمية ..!!؟ وما حدود نفوذه ..!!؟ وهل يمارس صلاحيات في إدارة الصندوق السيادي ..!!؟ وإذا كان كذلك، فأين السند القانوني المعلن لهذه الصلاحيات ..!!؟
وهل يعقل أن نعرف تفاصيل عن إدارة ثروات السوريين من تحقيقات صحفية أجنبية، أكثر مما نعرفه من المؤسسات السورية نفسها ..!!؟
هل أصبح حق السوري في معرفة مصير أمواله مرهوناً بأن تتفضل صحيفة أجنبية بفتح هذا الملف ..!!؟

سيادة الرئيس ..
أريد أن أكون صريحاً معك حتى النهاية ..
لم يعد لديّ أمل كبير بأن أحصل على إجابة عن هذه الأسئلة ..
وليس ذلك لأنني أملك أدلة على إدانة أحد، بل لأن التجربة مع المساءلة والشفافية لا تمنحني ما يكفي من الثقة ..
فنحن حتى في الملفات التي تتعلق بوزارة الطاقة، والتصريحات والتصرفات المثيرة للجدل المنسوبة إلى يوسف القبلاوي، والأسئلة التي أُثيرت حول الصفقات وإدارة الموارد العامة، ما زلنا ننتظر توضيحات وتحقيقات معلنة تحسم ما أُثير من شبهات وتحدد المسؤوليات ..
وقد طرحنا أسئلة كثيرة، وطلبنا إجابات، ولم نرَ حتى الآن نتائج مساءلة علنية تكفي لتبديد هذه الشكوك ..
فإذا كان المواطن يعجز عن الحصول على إجابات مقنعة في ملفات تُناقش علناً، فكيف له أن يطمئن إلى مصير عشرات المليارات التي تُدار داخل مؤسسة لا تتوافر للجمهور معلومات كافية عن موجوداتها وإدارتها ..!!؟
وإذا كانت هناك صعوبة في مساءلة مسؤول حكومي معروف المنصب والصلاحيات، فكيف ستكون المساءلة أمام شخصية تتحدث التقارير عن نفوذ اقتصادي واسع لها، بينما تبقى صفتها الرسمية وحدود مسؤوليتها غير واضحتين ..!!؟
ماذا نسمي هذه الحالة، يا سيادة الرئيس ..!!؟
هل نحن نبني دولة مؤسسات، أم جمهورية الصناديق السوداء ..!!؟
دولة يعرف المواطن فيها من يحكم، ومن يقرر، ومن يوقّع، ومن يملك حق التصرف بالمال العام ..!!؟
أم دولة تتضح فيها أسماء المسؤولين على أبواب الوزارات، ثم تختفي الأسماء والصلاحيات كلما اقتربنا من مراكز الثروة والنفوذ الحقيقي ..!!؟

سيادة الرئيس ..
لا أريد منك أن تؤكد لنا أن الأموال في أيدٍ أمينة ..
أريد أن أرى المؤسسات التي تثبت ذلك ..
لا أريد أن أسمع أن القائمين على الصندوق رجال موثوقون ..
أريد أن أعرف أسماءهم وصفاتهم القانونية وصلاحياتهم ..
ولا أريد وعوداً بأن كل شيء يُدار لمصلحة السوريين ..
أريد حسابات منشورة، ورقابة مستقلة، وقرارات تعيين معلنة، وتوضيحاً لما دخل إلى الصندوق وما خرج منه، ولمن تعود الأصول ومن يملك حق التصرف بها ..
فالثقة بالأشخاص لا يمكن أن تكون بديلاً عن الرقابة على المؤسسات، وحسن النيات لا يعفي أحداً من تقديم الحساب ..
وأذكّرك بأن المال العام ليس أمانة سياسية يمكن نقلها بين المقرّبين، بل أمانة قانونية وأخلاقية تقع مسؤولية حمايتها في مقدمة واجبات الدولة ..
ولست أطلب منك، يا سيادة الرئيس، معروفاً أو امتيازاً شخصياً ..
أنا أسأل عن حقي وحق كل مواطن سوري ..
أسأل عن ثروات وطن لم يعد يحتمل أن يخسر جيلاً آخر في انتظار أن يعرف من يملك قراره الاقتصادي ..
وأقول لك أمام الله، وأمام السوريين، وأمام التاريخ :
إن كانت هذه الأموال قد عادت إلى الدولة، فمن حق الشعب أن يعرف أين أصبحت وكيف تُدار ..
وإن كانت هناك حقوق خاصة صودرت دون سند قانوني، فمن واجب الدولة أن تنصف أصحابها ..
وإن كان هناك مال عام أُخذ دون وجه حق، فمن واجبها استعادته ومحاسبة المسؤول عنه، أياً كان اسمه أو موقعه ..
ولا أطلب منك أن تدين أحداً بلا بينة، وإنما أن تفتح الباب لحقيقة يمكن التحقق منها، ومساءلة لا تستثني أحداً ..!! .

سيادة الرئيس ..
ربما لن تصل هذه الرسالة إليك ..
وربما تصل ولا يُجاب عنها ..
وربما تبقى أسئلتنا، كما بقيت أسئلة أخرى، معلّقة في فضاء الصمت ..
لكن تذكر أن غياب الإجابة لا يلغي السؤال، وأن عدم نشر الحسابات لا يمحو الحقوق، وأن مرور الزمن لا يحوّل المال العام إلى ملكية خاصة ..
فإن لم تجيبوا عن هذه الأسئلة اليوم، فقد يأتي يوم يجيب فيه التاريخ عنها بما تكشفه الوثائق والحقائق ..
أما إن كانت هناك حقوق قد أُخذت بغير حق، ولم يُنصف أصحابها في هذه الدنيا، فسيبقى حسابها عند الله الذي لا تضيع عنده المظالم ..

وأختم برسالة واحدة :

يا سيادة الرئيس ..
لقد انتصرتم على نظام حكم، لكن الانتصار الحقيقي سيكون عندما تبنون دولة لا يستطيع فيها المنتصر نفسه أن يمد يده إلى ليرة واحدة من أموال الشعب دون قانون ورقابة ومحاسبة ..
وإن كنا قد خرجنا من جمهورية الخوف، فلا تجعلونا ندخل جمهورية الغموض ..
فالشعب الذي دفع دمه ثمناً للتحرير، لا ينبغي أن يُطلب منه اليوم أن يدفع ثروته ثمناً للصمت ..
وأقولها أمام الله وأمامكم : لن أكون قطيعاً مرتين ..

طالع المزيد:

د. سليم الخراط يكتب: ما هو الجديد الذي يحمله معه الرئيس الشرع إلى نيويورك؟!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى