د. ناجح إبراهيم يكتب: داعشي .. في الطائرة

موقع بيان الإخبارى
• استدعي زعيم داعش أحد أتباعه للقيام بتفجير الطائرة ، وافق سلامة علي التكليف ، أراد أن يشجع نفسه قبل الذهاب للمطار ، أعاد الاستماع للشريط المسجل الذي أهداه إياه قائد التنظيم والذي يحثه علي تفجير الطائرة بركابها .
• سمع عدة أناشيد حماسية تهز الوجدان وتحرض علي الجهاد وتحث عليه، سمع شريط فيديو لقادته يحث علي الشهادة والموت في سبيل الله طلبا للجنة ونعيمها ، عزم علي الموت فهو راحة له من هذه الدنيا التعيسة.
• ركب الطائرة ، وجلس علي المقعد المخصص له،استمع إلي صوت المضيفة وهي تتحدث علي لسان قائد الطائرة الذي ألقي علي الركاب السلام وتمني لهم رحلة سعيدة مع سلامة الوصول .
• سمع مثل هذه التوجيهات كثيراً ولكنها لم تستوقفه إلا اليوم ، عاتب نفسه قائلاً : قائد الطائرة يتمني للركاب السلامة والعافية، وأنا أحرص علي قتلهم وأذاهم، وما ذنب قائد الطائرة والمضيفين والمضيفات والركاب حتي يقتلوا ،فليسوا في معركة مع أحد ، ولا علاقة لهم بالصراعات السياسية ، ولم يؤذوا أحداً من قبل ولا من بعد ، حزن لأنهم يبتسمون له ويحيونه وهو يضمر لهم شراً .
• بدأت الرحلة بدعاء السفر ” اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب” ، دخلت الكلمات النبوية كسهم اخترق قلبه، كأنها تعنيه فالرحلة جميلة ولعله يمثل وعثاءها وسوء المنقلب له وللركاب ، الرسول يدعو للسلامة من الشر وأنا أصنع الشر، هكذا خاطب نفسه.
• نظر إلي الكرسي المجاور فشده حديث طفل صغير جميل يسأل أمه : أين الله ؟ هل نحن قريبون منه الآن ؟ لماذا لا نري الأرض ؟ ما هذا السحاب ؟هل سنصل قريباً ؟ هل سينتظرنا أبي في المطار ؟ تعجب لأسئلته المتلاحقة وخاصة حينما قال لها : أمي أنا خائف؟ قالت له أمه : لا تخف فإن الله معنا وهو قريب منا ويرانا ويحفظنا ، اطمئن واذكر الله فإن دعاء المسافر مستجاب .
• عجب لعمق تدينها مع بساطته، تذكر زوجته وأولاده الذين تركهم دون وداع، أشفق علي أطفاله من اليتم وعلي هذا الطفل من الموت .
• قال لنفسه : من لأولادي بعد موتي ، وما جريرة هذا الطفل حتي يلقي المصير المؤلم الذي ينتظره، وما هو شعور والده حينما يلملم أشلاءه وأشلاء زوجته .
• دقق النظر في الطفل فتبسم له الأخير ابتسامة بريئة ردها بابتسامة أجمل ، آه ما أحلي ابتسامة الأطفال التي لا تعرف المكر أو الكيد .
• قال لنفسه : كيف أقتل النساء والأطفال ؟ وقد نهي الإسلام عن ذلك حتي في حالة الحرب ، أنصت برهة وكأنه يسمع بيان النبي لجيوشه ” لا تقتلوا طفلاً ولا امرأة”.
• تحرك بين المقاعد ليطرد القلق والتوتر وكأنه ذاهب لدورة المياه فتناهي إلي سمعه صوت عدة طلبة أزهريين من جنسيات متعددة يفخرون بشيوخ الأزهر وعلمهم ووسطيتهم، وكيف أحبوا الإسلام بسببهم وكيف احتضنهم الأزهر احتضان الأب لأبنائه، كلهم يردد ” الأزهر قلعة الإسلام والسنة الحصينة” ، أقاربهم جميعاً يتمنون الدراسة في الأزهر، عجب لأنه يعيش بالقرب من الأزهر وفي مصر ولم يدرك قدر هذا الصرح العظيم الذي حمل لواء الإسلام بحق في العالم كله عبر أكثر من ألف عام.
• سمعهم يمدحون في مصر وشعبها، وتدينه العميق وروعة استقباله لهم ، وإكرام الأطباء والمستشفيات والمدارس لهم ولأولادهم، وكيف عاملهم جيرانهم بالإحسان والكرم والحب، عاب علي نفسه أنه غابت عن عقله تلك الصور النبيلة عن شعبه وأقاربه وأهله، وقد رأي فيهم من قبل عمق التدين الفطري الأقوى من كل أدلجة .
• صرف نظره بعيداً عنهم ، حاول النعاس قليلاً دون جدوى ، شده حديث عروسين في الكرسي الأمامي بملابس الزفاف ، فعادت إلي ذاكرته الأيام الأولي لزواجه ، استمع لضحكات العروسين وشعر بفرحتهما الطاغية بشهر العسل ، أنصت لاقتراحات كل منهما عن برنامج شهر العسل .
• قال لنفسه : كيف سيحول الثوب الأبيض إلي أحمر قاني وأكفان بائسة، والضحكات إلي صرخات، كيف سيدفن هذه الفرحة إلي الأبد، تفكر في حال والدي العروسين حينما يسمعان خبر تفجير الطائرة، تصور حال زوجته حينما تسمع بمقتله ، والعار الذي سيلحق بأسرته حينما تنشر القنوات صورته كإرهابي قتل الأبرياء في طائرة مدنية.
• حزم أمره علي التفجير فذهب إلي حمام الطائرة ليضبط توقيت تفجير القنبلة في الجو ، وجد الحمام مشغولاً فوقف إلي جوار أحد المقاعد الخلفية، وجد شابا أبيض البشرة يتحدث العربية بصعوبة ويحكي قصته لآخر في فخر : ” لقد أحببت الإسلام لأنه دين الرحمة والمودة، وأسلمت في الأزهر، وتعلمت شيئاً من القرآن وأواظب علي الصلاة، وأتعجل العودة لأمي وزوجتي وأولادي لأعرفهم بهذا الدين السمح” .
• وقف مذهولاً، فكر في مشاعر أسرة هذا الشاب حينما يُقتل علي يد مسلم مثله ، تري ماذا ستقول هذه الأسرة عن الإسلام وبلادنا .
• الحمام ما زال مشغولاً ، وقف إلي جوار كرسي آخر ، استوقفه حديث راكب لصديقه ، عرف من حديثهما: إنه جراح قلب حصل علي أعلي الدرجات العلمية من الغرب وأنه بصدد استيراد أجهزة زراعة القلب ليبدأ هذا المشروع العظيم في مصر ، حيث أنه من العار أن تتقدم بعض الدول علينا في هذا العلم العظيم .
• تذكر طفولته حينما كان يتمني والده أن يكون طبيباً ، قفز إلي ذهنه المقارنة بين موقفه وموقف هذا الجراح ، أحدهما مهمته الإحياء والآخر مهمته القتل ، أحدهما الرحمة والآخر القسوة والغلظة ، أحدهما يسعى للخير والآخر للشر .
• حزن علي نفسه لتحوله من فلسفة هداية الخلائق إلي تكفيرهم، ومن الإحياء إلي التفجير .
• وجد بعض اللاجئين العرب قدموا علي الطائرة للعلاج، سمعهم يحكون مآسيهم ويتمنون الأمان في المهجر وبلادهم .
• عدل عن تفجير الطائرة وبدلاً من ضبط القنبلة للتفجير قام بتفكيكها .
• أخيراً هدأ قلبه بعد شدة خفقان ، شعر أنه ولد من جديد ، عزم علي أن يحارب فكرتي التكفير والتفجير ، وجد من حوله يحيونه علي سلامة الوصول وكأنهم يعرفونه ، رأي فرحة الطفل وهو يجري علي أرض المطار ليحتضن والده ، رأي العروس تمسك بيد عريسها في فرحة غامرة ، شعر بسعادة كبيرة لأنه ساهم في إحياء هذه الأنفس ، أصبح من أئمة السلام والإصلاح بين الناس .

طالع المزيد: د. ناجح إبراهيم يكتب: أبطال منسيون في نصر أكتوبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى