زلزال تشريعي في دمشق: إلغاء قانون إعدام “الإخوان” يربك حسابات تل أبيب
مقترح لإلغاء تشريع يعود إلى عهد حافظ الأسد يفتح ملف عودة الجماعة إلى الحياة السياسية

تقرير يكتبه: أشرف التهامى
تفتح تحركات برلمانية في دمشق لإلغاء القانون رقم 49 لعام 1980، الذي يجرّم الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين السورية ويجعل عقوبته الإعدام، فصلًا جديدًا من النقاش بشأن مستقبل الحياة السياسية في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وحدود مشاركة القوى الإسلامية في تشكيل النظام السياسي الجديد.
وتتجاوز أهمية هذه الخطوة أبعادها القانونية، إذ تتزامن مع إعلان الجماعة رغبتها في استئناف نشاطها السياسي، ومع استمرار الجدل بشأن طبيعة النظام الذي تسعى السلطات الانتقالية إلى بنائه، ومدى قدرته على استيعاب التعددية السياسية ضمن إطار دستوري يضمن الحقوق والحريات ويمنع قيام قوى مسلحة خارج مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، يطرح تحليل نشره موقع «واي نت نيوز» الإسرائيلي للكاتب أمين أيوب تساؤلات بشأن التداعيات المحتملة لإلغاء القانون على الحسابات الأمنية الإسرائيلية، ولا سيما في ظل مخاوف تل أبيب من أن تتيح التحولات السياسية في سوريا المجال أمام قوى ذات ارتباطات أيديولوجية أو إقليمية لتوسيع نفوذها قرب الحدود الشمالية لإسرائيل.
لكن المقترح لا يزال في مراحله الأولية، ولا يعني إلغاؤه، إذا تحقق، منح الجماعة ترخيصًا سياسيًا تلقائيًا أو ضمان عودتها إلى مؤسسات الحكم؛ فهذه المسائل تظل مرتبطة بالإطار القانوني الذي ستعتمده سوريا لتنظيم الأحزاب والمشاركة السياسية.
القانون رقم 49.. إرث قانوني من عهد الأسد
أُقر القانون رقم 49 في يوليو 1980 خلال حكم الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، ونص على عقوبة الإعدام للانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، في سياق المواجهة العنيفة التي خاضها النظام السابق ضد الجماعة وقوى المعارضة.
وأصبح القانون أحد أبرز الرموز التشريعية المرتبطة بمرحلة القمع السياسي في سوريا، إذ ترتب عليه تجريم الانتماء إلى الجماعة، في ظل حملة أوسع شملت الاعتقالات والملاحقات والنفي.
وفي أعقاب سقوط نظام الأسد، عاد مصير هذا التشريع إلى الواجهة، خصوصًا مع إعلان مؤتمر النصر في 29 يناير 2025 تعليق العمل بالقوانين الاستثنائية. وأثار ذلك تساؤلات بشأن ما إذا كان القرار قد شمل القانون رقم 49 بصورة واضحة، أم أن الأمر يحتاج إلى إجراء تشريعي صريح يحسم وضعه القانوني.
ووفقًا لما نقلته صحيفة «الشرق الأوسط» عن عبد الناصر حوشان، رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب السوري، فإن أعضاء في المجلس بدأوا جمع التوقيعات اللازمة لطرح مقترح الإلغاء، لكنه لم يكن قد قُدّم رسميًا حتى 13 أكتوبر 2026.
ويحتاج المقترح، وفق الإجراءات التي أوردتها الصحيفة، إلى تأييد 17 عضوًا قبل البدء في صياغته وإحالته إلى المسار التشريعي المختص.
وبالتالي، فإن التطور الراهن لا يتمثل في إلغاء القانون بالفعل، بل في فتح مسار برلماني قد يقود إلى حسم وضعه، وما يرتبط بذلك من أسئلة بشأن حدود الإصلاح القانوني في سوريا الجديدة.
عودة الإخوان.. بين رفع الحظر والمشاركة السياسية
تسعى جماعة الإخوان المسلمين السورية إلى تقديم نفسها بوصفها حركة سياسية تسعى إلى العمل ضمن إطار دستوري تعددي، بعد عقود من الحظر والملاحقة والعمل في المنفى أو بصورة سرية.
وفي 27 سبتمبر 2026، أصدر مجلس الشورى التابع للجماعة بيانًا من 16 نقطة تناول قضايا داخلية وإقليمية، وأكدت فيه الجماعة تمسكها باستمرار وجودها التنظيمي، ودعت إلى التعددية السياسية وتنظيم العمل الحزبي ووضع دستور دائم.
غير أن إعلان الجماعة رغبتها في العودة إلى الحياة العامة لا يعني أن الطريق أصبح ممهدًا أمامها؛ إذ لا تزال البيئة السياسية السورية في طور التشكل، ولم تُحسم جميع القواعد المنظمة للعمل الحزبي، كما تواجه الجماعة تساؤلات بشأن وزنها الشعبي، وقدرتها على تجديد خطابها، وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه في ظل صعود قوى سياسية وإسلامية أخرى.
كذلك، لا ينبغي الخلط بين تأييد إلغاء قانون يفرض عقوبة الإعدام على أساس الانتماء السياسي، وبين تأييد مشروع جماعة الإخوان أو منحها شرعية سياسية غير مشروطة.
فهناك فارق بين إزالة تشريع عقابي من إرث النظام السابق، وبين تحديد شروط المشاركة السياسية لجميع التنظيمات، بما يشمل مصادر التمويل، والالتزام بالدستور، واحترام حقوق المواطنين، وقبول قواعد المنافسة السلمية وتداول السلطة.
ومن ثم، فإن الاختبار الأهم أمام السلطات الانتقالية لا يتعلق بمصير الجماعة وحدها، بل بقدرتها على وضع قواعد عامة تطبق على مختلف القوى السياسية دون تمييز.
لماذا تراقب إسرائيل التحرك في دمشق؟
ينطلق التحليل المنشور في «واي نت نيوز» من أن التحول القانوني المحتمل في سوريا يحمل أهمية أمنية لإسرائيل، بالنظر إلى موقع سوريا الجغرافي، والتغيرات التي شهدتها بنيتها السياسية والأمنية عقب سقوط نظام الأسد.
ولا يقتصر القلق الذي يطرحه التحليل على احتمال مشاركة شخصيات إسلامية في البرلمان، بل يمتد إلى سيناريوهات مستقبلية تتعلق بطبيعة العلاقات بين القوى السياسية ومؤسسات الدولة، وإمكانية تحول النفوذ الحزبي إلى تأثير في السياسات التنفيذية والتعيينات والقرارات الأمنية والتعليمية.
كما يلفت التحليل إلى العلاقات التي أقامتها قيادات من الجماعة السورية في المنفى مع أطراف إقليمية، من بينها تركيا وقطر، ويطرح احتمال أن تسعى قوى خارجية إلى توظيف علاقاتها السياسية لتوسيع نفوذها داخل سوريا.
غير أن هذه المخاوف تظل تقديرات تحليلية وسيناريوهات محتملة، وليست دليلًا بذاتها على وجود خطة خارجية للسيطرة على مؤسسات الدولة السورية. ويتوقف تقييمها على طبيعة العلاقات الفعلية، ومصادر التمويل، ودرجة استقلال القرار السياسي السوري، والقواعد التي ستنظم عمل الأحزاب.
وتكمن أهمية الملف بالنسبة إلى إسرائيل في أن أي تغيير في بنية السلطة السورية قد يؤثر في حسابات الأمن الحدودي والسياسة الإقليمية على المدى الطويل. لكن لا يمكن استنتاج اتجاه السياسة السورية المقبلة من مجرد طرح مقترح لإلغاء القانون؛ فهذه السياسة ستتحدد عبر قرارات السلطات الجديدة، وطبيعة مؤسسات الدولة، والعلاقات التي ستقيمها دمشق مع محيطها الإقليمي.
من تجربة حماس إلى سؤال احتكار السلاح
يستحضر التحليل الإسرائيلي تجربة حركات إقليمية استطاعت الجمع بين العمل السياسي والاحتفاظ بقدرات مسلحة مستقلة، ويربط ذلك بمخاوف من تكرار نماذج تضعف سلطة الدولة المركزية.
ويشير إلى حركة حماس في غزة، التي انبثقت عن الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب الله في لبنان، بوصفهما مثالين مختلفين من حيث الخلفية الأيديولوجية وطبيعة الدعم الخارجي، لكنهما يطرحان سؤالًا مشتركًا يتعلق بحدود سلطة الدولة على التنظيمات المسلحة.
ومع ذلك، فإن وضع الجماعات الثلاث في إطار واحد لا يعني تطابق بنيتها أو أهدافها أو قدراتها؛ فالإخوان المسلمون في سوريا تنظيم سياسي ذو تاريخ ومسار خاصين، بينما تمتلك حماس وحزب الله أجنحة عسكرية وقدرات عملياتية تختلف في طبيعتها وحجمها.
ومن هنا، فإن المسألة الأساسية بالنسبة إلى مستقبل سوريا لا تتمثل في هوية القوى التي قد تدخل المجال السياسي فحسب، وإنما في مدى التزامها بقواعد الدولة، وخضوعها للقانون، ورفضها امتلاك تشكيلات مسلحة مستقلة عن المؤسسات الرسمية.
ويصبح هذا الملف أكثر أهمية في مرحلة انتقالية تسعى فيها الدولة إلى إعادة بناء مؤسساتها وتوحيد سلطتها، ومنع تحول التعددية السياسية إلى غطاء لتعدد مراكز القوة المسلحة.
مستقبل التعددية.. الاختبار الحقيقي للسلطات الانتقالية
يمثل الجدل حول القانون رقم 49 اختبارًا مبكرًا لطبيعة النظام السياسي الذي تتجه سوريا إلى بنائه. فإلغاء التشريع، إذا تم، قد يشكل خطوة في اتجاه إزالة أحد القيود القانونية التي ارتبطت بالحكم السابق، لكنه لن يحسم بمفرده شكل الحياة السياسية أو شروط مشاركة الجماعات المحظورة سابقًا.
وتبرز في هذا السياق مجموعة من الملفات التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة، في مقدمتها إعداد قانون واضح للأحزاب السياسية، وضمان المساواة أمام القانون، ووضع قواعد شفافة لتمويل التنظيمات، وحماية الأقليات الدينية والعرقية، وضمان استقلال القضاء، ومنع استخدام المؤسسات العامة لخدمة تنظيم سياسي بعينه.
كما يتطلب استقرار النظام الجديد وجود ضوابط واضحة تمنع تشكيل جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة، وتضمن خضوع جميع القوى للقواعد الدستورية والقانونية ذاتها، بصرف النظر عن قربها من السلطات الانتقالية أو معارضتها لها.
وفي المقابل، فإن استمرار القيود الاستثنائية من دون مراجعة قانونية واضحة قد يثير تساؤلات بشأن مدى اتساق الإصلاحات المعلنة مع مبادئ الحريات العامة والمساواة السياسية.
ويظل التحدي أمام دمشق هو التوفيق بين إنهاء إرث القمع السياسي، ومنع استغلال الانفتاح المحتمل في بناء مراكز نفوذ لا تخضع للمساءلة أو تضعف مؤسسات الدولة.
هل يتحول الملف إلى مصدر توتر إقليمي؟
من المرجح أن يظل مستقبل جماعة الإخوان المسلمين السورية موضع متابعة إقليمية، بالنظر إلى علاقاتها التاريخية خارج البلاد، وإلى التنافس بين القوى المختلفة على تشكيل النظام السياسي الجديد.
لكن مسار التطورات لن يتحدد بقرار إلغاء القانون وحده، بل بمجموعة من القرارات اللاحقة، تشمل تنظيم الأحزاب، وشروط المشاركة الانتخابية، وحدود العمل السياسي، وطبيعة العلاقة بين الدولة والقوى الدينية، ومدى استقلال المؤسسات عن الضغوط الداخلية والخارجية.
وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن المعيار الأكثر أهمية لن يكون مجرد وجود تيار إسلامي في الحياة السياسية السورية، بل طبيعة السياسات التي ستتبناها دمشق، ومدى قدرتها على ضبط حدودها، ومنع قيام تشكيلات مسلحة مستقلة، وإدارة علاقاتها الإقليمية بما يحول دون انتقال التوترات إلى مواجهة جديدة.
أما بالنسبة إلى سوريا، فإن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب بناء نظام سياسي قادر على استيعاب الاختلاف، مع إخضاع جميع القوى لقواعد قانونية واضحة تحمي حقوق المواطنين وتضمن احتكار الدولة للسلاح.




