قمة ووتشن للإنترنت تختتم أعمالها.. الذكاء الاصطناعي المفتوح يتصدر التعاون الرقمي العالمي

استحضار رؤية شي جين بينج لبناء مستقبل مشترك في الفضاء السيبراني

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

اختتمت قمة ووتشن لعام 2026 لمؤتمر الإنترنت العالمي، الخميس 5 نوفمبر، أعمالها في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين، بمشاركة نحو 1800 شخصية من 138 دولة ومنطقة، وسط تركيز على تعزيز الانفتاح والتعاون الدولي في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن الرقمي والحوكمة والتبادل الثقافي.

وجاءت القمة، التي انعقدت خلال الفترة من 2 إلى 5 نوفمبر، تحت شعار «الانفتاح والمصادر المفتوحة، والمساهمة المشتركة وتقاسم المنافع.. نحو بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك في الفضاء السيبراني»، لتناقش التحولات المتسارعة في تكنولوجيا المعلومات، وسبل توظيف الابتكار الرقمي في دعم التنمية وتحسين حياة البشر، مع تعزيز التعاون لمواجهة المخاطر الأمنية والتكنولوجية المتزايدة.

وتستحضر هذه النقاشات الرؤية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينج خلال الدورة الثانية لمؤتمر الإنترنت العالمي في ووتشن عام 2015، حين دعا إلى اغتنام فرص ثورة المعلومات، وتعزيز التعاون الدولي لبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك في الفضاء السيبراني، مؤكدًا أن الهدف هو جعل ثمار تطور الإنترنت أكثر قدرة على خدمة الشعب الصيني وشعوب العالم.

الإنسان محور التطور الرقمي

وفي افتتاح القمة يوم 3 نوفمبر، ألقى رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ كلمة رئيسية دعا فيها إلى تبني نهج يضع الإنسان في مركز عملية تطوير الإنترنت، في ظل التحولات العميقة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة.

وأكد لي أن السؤال الأهم لم يعد مجرد كيفية تطوير التكنولوجيا، وإنما كيفية جعل الإنترنت أكثر قدرة على خدمة البشرية، مشيرًا إلى أن تطور الشبكات والذكاء الاصطناعي ينبغي أن يعزز قدرات الإنسان ويوسع خياراته ويحسن مستوى معيشته، لا أن يحول البشر إلى تابعين للتكنولوجيا أو يزيد الفجوات في التنمية.

وتناول رئيس الوزراء الصيني عددًا من التحديات المصاحبة للتحول الرقمي، من بينها العلاقة المتزايدة التعقيد بين الإنسان والآلة، ومخاطر دمج العالمين الرقمي والمادي، بما يشمل الهجمات السيبرانية وسرقة البيانات والتزييف العميق والمعلومات المضللة، فضلًا عن اتساع الفجوة الرقمية والتكنولوجية بين الدول.

وأشار إلى أن أكثر من ملياري شخص حول العالم ما زالوا خارج نطاق الاتصال بالإنترنت، محذرًا من أن التفاوت في البيانات عالية الجودة والقدرات الحاسوبية وشبكات الاتصالات السريعة قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب، ما يستدعي توسيع فرص الوصول إلى التكنولوجيا وبناء القدرات الرقمية، خصوصًا في دول الجنوب العالمي.

مبادرة عالمية للذكاء الاصطناعي المفتوح

ومن أبرز نتائج القمة إطلاق «مبادرة العمل العالمية للذكاء الاصطناعي المفتوح»، التي تضمنت 18 مقترحًا للعمل المشترك موزعة على أربعة محاور رئيسية، تشمل تعزيز الانفتاح والتنمية، وصون الأمن والثقة، وتوسيع الحوار والمشاركة في الحوكمة، وترسيخ مبادئ المنفعة المتبادلة والشمول.

وتعكس المبادرة توجهًا نحو تعزيز التعاون في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسيع الاستفادة من تطبيقاتها، مع الاهتمام بقضايا الأمان والموثوقية والحوكمة، بما يتيح مشاركة أوسع للدول والمؤسسات والشركات في بناء المنظومة الرقمية العالمية.

كما شهدت القمة انعقاد 27 منتدى فرعيًا، وهو العدد الأكبر في تاريخها، وتناولت موضوعات متنوعة، من بينها وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات والذكاء الاصطناعي المتجسد، والصحة الرقمية، والذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، والبنية التحتية الرقمية، وحوكمة البيانات والأمن السيبراني، إلى جانب حماية التراث الثقافي والتعليم والتنمية منخفضة الكربون.

1000 تقنية ومنتج جديد

وعلى هامش القمة، قدم معرض «نور الإنترنت» أكثر من ألف تقنية ومنتج جديد، إلى جانب استعراض أكثر من 100 نموذج من الروبوتات الذكية القادرة على تنفيذ مهام عملية في بيئات واقعية، بما يعكس انتقال الابتكار من التطبيقات الرقمية التقليدية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة.

وشهدت دورة هذا العام تنظيم سوق للاستهلاك الرقمي والذكي للمرة الأولى، ضم أكثر من 130 منتجًا جديدًا، إلى جانب إقامة فعالية متخصصة لشركات الذكاء الاصطناعي الصغيرة التي تعتمد على نموذج «شركة يديرها شخص واحد» (OPC)، بمشاركة أكثر من 60 مجتمعًا ومؤسسة وشركة من مختلف أنحاء العالم.

كما أعلنت القمة نشر تقرير «أمن وحوكمة الذكاء الاصطناعي المتقدم 2026: إدراك المخاطر والحوكمة التعاونية»، إلى جانب دليل الممارسات الخاصة بتعزيز التجارة الإلكترونية في اقتصادات الجنوب العالمي، في إطار توسيع النقاش حول الأبعاد الاقتصادية والتنظيمية للتطور الرقمي.

نحو حوكمة رقمية أكثر شمولًا

وتكشف مخرجات قمة ووتشن 2026 عن محاولة للجمع بين مسارين متوازيين: تسريع الابتكار والانفتاح في تطوير الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الضوابط التي تضمن أمن استخداماته وتحد من مخاطره، مع توسيع فرص استفادة الدول النامية من التحولات الرقمية.

وفي هذا السياق، تبرز رؤية بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك في الفضاء السيبراني، التي طرحها شي جين بينج عام 2015، باعتبارها الإطار الذي تستند إليه الدعوات الصينية المتكررة لتعزيز التعاون الدولي في تطوير الإنترنت وحوكمته.

غير أن تحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي يظل مرتبطًا بقدرة الأطراف الدولية على تجاوز الخلافات بشأن قواعد إدارة الفضاء الرقمي، وتحقيق توازن بين الانفتاح والأمن، وضمان عدالة الوصول إلى التكنولوجيا والبيانات والقدرات الحاسوبية.

وبينما تتسارع المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي، تؤكد مخرجات القمة أن مستقبل الإنترنت لن يتحدد فقط بمدى التقدم التقني، وإنما أيضًا بقدرة المجتمع الدولي على جعل هذا التقدم أكثر أمنًا وانفتاحًا وشمولًا، وأكثر ارتباطًا باحتياجات الإنسان والتنمية.

طالع المزيد: شي جين بينغ: الصين تعتمد إطارًا جديدًا لمكافحة الفساد وتعزيز الانضباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى