ننشر نص وثيقة الأمن القومي لرئيس الوزراء الإسرائيلي.. الدلالات والتبعات
كتب: أشرف التهامي
مقدمة:
يمثل الإعلان عن عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي محاولة استباقية ويائسة لشرعنة مأزق بنيوي يعصف بكيان بات يعترف ضمنياً بسقوط نظرياته التقليدية في الردع والاحتواء.
فالوثيقة التي صاغها مجلس الأمن القومي الإسرائيلي بمساعدة باحثين من “معهد القدس للاستراتيجية والأمن” (JISS) وأشرف عليها العقيد احتياط عيران ليرمان، ونشرت في نوفمبر 2026، تكشف حجم الذعر الإستراتيجي أمام تصاعد ضربات محور المقاومة والجبهات المفتوحة.
ورغم محاولات تغليف هذه الوثيقة ببريق “العمل الاستباقي” و”الانتصار المطلق”، إلا أنها تفضح في جوهرها عجزاً مزمنًا عن تأمين الموارد البشرية والاقتصادية، وتهرماً سياسياً يضع الكيان أمام مفترق طرق كارثي يعكسه تخبط التحالفات الإقليمية ووهم الرهان على القوة المطلقة.
هذا و يُمثّل نشر عقيدة الأمن القومي الخاصة بنتنياهو تحولاً مهماً في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي؛ إذ يطرح ابتكاراتٍ بارزة، بينما يترك في الوقت ذاته أسئلةً وأولوياتٍ جوهريةً دون حسم. لذا، يتعين على الحكومة القادمة تطوير هذه العقيدة لتصبح رؤيةً شاملةً واعتمادها بشكلٍ رسمي.
ما سبق يعكس المقدمة الافتتاحية لتقرير معهد القدس للاستراتيجية: Jerusalem Institute for Strategy and Security واختصارًا JISS)) ، والتقرير منشور على موقعه الرسمي بتاريخ الرابع من شهر نوقمبر الجاري ، معد التقرير العقيد (احتياط) في الجيش الإسرائيلي الدكتور عيران ليرمان، وللمزيد فأن رابط التقرير فى لغته الأصلية بأسفل هذا الموضوع
ماذا تمثل هذه الوثيقة؟
تُمثّل وثيقة الأمن القومي التي قدّمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18 أكتوبر/تشرين الأول تطوراً جديداً؛ إذ تقرّ ضمنياً بأن إسرائيل ظلت لفترة طويلة تعمل دون تعريف منهجي لاستراتيجيتها الكبرى.
فحتى التصريحات التي أدلى بها ديفيد بن غوريون أمام مجلس الوزراء الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 1953 -رغم أهميتها البالغة- لم تكن بمثابة عقيدة رسمية للأمن القومي الإسرائيلي .
وقد أثيرت بالفعل تساؤلات واعتراضات حول توقيت طرح هذه الوثيقة، التي جاءت عشية الانتخابات، وحول تقديمها باعتبارها وثيقةً صادرة عن رئيس الوزراء شخصياً، بدلاً من كونها وثيقةً صادرة عن الحكومة أو المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية.
كما أن النص المنشور ليس سوى موجز مقتضب لعملٍ أكثر شمولاً أعدّه مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، بمساعدة جهات أخرى، من بينها باحثون في “معهد القدس للاستراتيجية والأمن” (JISS)، ومع ذلك، تظل هذه الخطوة مهمة وغير مسبوقة، إذ ترسم ملامح التوجهات العامة للعمل على المدى الطويل.
وتتضمن الوثيقة عدداً من الرسائل الرئيسية التي تشكل تحولاً حقيقياً، منها:
- إعلان عن الاستعداد لمنع أعداء إسرائيل من امتلاك أسلحة نووية، وذلك استمراراً لـ “عقيدة بيغن”.
-
التأكيد على قيمة الانتصار.
-
تحوّل في السياسة الأمنية من الاحتواء (والردع) إلى العمل الاستباقي، ومن الاستعدادات القائمة على نوايا الأعداء —أو حتى شركاء السلام الحاليين— إلى الاستعداد لموازاة قدراتهم.
وينطوي هذا على تداعيات تتعلق ببناء القوة (ميزانية دفاع أكبر)، وكذلك على مستوى اليقظة الاستخباراتية والعسكرية.
- مناطق عازلة — أُنشئت بالفعل في غزة وسوريا ولبنان — كجزء من المكون الدفاعي لعقيدة الأمن القومي، إلى جانب جبهة داخلية أكثر قوة.
-
استراتيجية وطنية تركز على ضمان التفوق التكنولوجي وإتقان آفاق المعرفة سريعة التطور، وترتبط بالطموح المُعلن سابقاً لتقليل الاعتماد على المساعدات المالية الأمريكية.
-
تُعد التحالفات الإقليمية لإسرائيل ركيزةً من ركائز عقيدتها للأمن القومي ، وتمتد الخريطة المرفقة بالوثيقة من الإمارات العربية المتحدة إلى المغرب، ومن صوماليلاند إلى أذربيجان، لتشمل أيضاً قبرص واليونان في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
-
المعركة الرامية إلى تشكيل التصورات، بما في ذلك النضال ضد الكراهية في الدول الغربية، تُعدّ جبهةً متميزةً ضمن الحملة الأوسع.
-
أول نقاش من نوعه حول مشكلات الحوكمة الداخلية التي تفاقمت في السنوات الأخيرة، وتحديداً فيما يتعلق بكميات الأسلحة غير القانونية التي قد تتحول بسهولة إلى معضلة تمس الأمن القومي.
تستعرض الوثيقة والخريطة المرفقة بها التهديدات التي تواجهها إسرائيل، مع التركيز على احتمالية تقارب محاور معادية تستمد جذورها من تيارات متنوعة للإسلاموية الشمولية.
ومع ذلك، تنطوي خريطة “تقارب المحاور” هذه على إشكاليات جسيمة؛ أبرزها الإدراج (غير المنطقي) لمصر والمملكة العربية السعودية ضمن محور جماعة الإخوان المسلمين، وتصوير مناطق الأقليات -كالمناطق الدرزية في سوريا- ككيانات سياسية مستقلة، وهو أمرٌ كان يجدر تجنب الخوض فيه.
كما تغفل الوثيقة تماماً التطورات الدبلوماسية التي شهدها العام المنصرم، مثل خطة ترامب، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 بشأن غزة، والحوار مع لبنان وموقف حكومته، فضلاً عن قنوات التواصل مع سوريا.
علاوة على ذلك، تظل الوثيقة غامضة في جوانب كثيرة تتعلق بالأهداف الوطنية؛ فهي تكتفي بالتأكيد على وجود إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي -مع الحفاظ على تراثه في ظل نظام ديمقراطي- وتشجيع الهجرة اليهودية، واعتبار استيطان الأرض تجسيداً للروح الوطنية.
كما تخفق الوثيقة في تقديم شرح منهجي حول كيفية توفير القوى البشرية والموارد الاقتصادية الضخمة التي ستحتاجها إسرائيل خلال العقود القادمة.
وهي لا تتطرق إلى أولويات بناء القوة، ولا تأتي على ذكر القوة البحرية أو أمن طرق التجارة ، لذا، ينبغي أن تكون هذه الوثيقة بمثابة نقطة انطلاق لنقاش أوسع في أعقاب الانتخابات، بما يفضي إلى صياغة وثيقة سياسة وطنية أكثر تفصيلاً يعتمدها مجلس الوزراء رسمياً.
وثيقة رئيس الوزراء الإسرائيلي غير المسبوقة
على مدى عقود، دأبت دول عديدة -بما فيها الولايات المتحدة- على إصدار وثائق تأسيسية تحدد استراتيجيتها الكبرى وعقيدتها للأمن القومي بشكل دوري؛ إذ يلزم القانون الرؤساء الأمريكيين بتقديم وثيقة بهذا الشأن إلى الكونغرس.
أما في إسرائيل، ورغم الاهتمام المكثف والمستمر بالقضايا الإستراتيجية، فلم يسبق تقديم وثيقة رسمية للأمن القومي ، فحتى العرض الذي قدمه بن غوريون لمجلس الوزراء في أكتوبر 1953 -والذي استند إلى ما عُرف بـ “حلقته الدراسية الثانية” وأعاد فيه تقييم الاحتياجات الأمنية لإسرائيل بشكل جذري- لم يُعتبر صياغة رسمية لعقيدة الأمن القومي الإسرائيلي، وكذلك لم يُعتبر البرنامج الأمني المكون من 18 نقطة، والذي اختتم به بن غوريون مراجعته، بمثابة وثيقة رسمية من هذا النوع.
ظل كلا الأمرين مصنفين كمعلومات سرية لعقود من الزمن، أما العناصر الثلاثة التي نُسبت إليهما لاحقاً —وهي الردع، والإنذار المبكر، وتحقيق هزيمة حاسمة للعدو— فلم تُصغَ بهذه المصطلحات في ذلك الوقت، بل استُنتجت لاحقاً من خلال قراءة استرجاعية.
يعكس تردد إسرائيل طويل الأمد في تبني عقيدة أمن قومي ملزمة سماتٍ جوهريةً في بيئتها الاستراتيجية والسياسية؛ منها الظروف الأمنية دائمة التغير، وتفضيل الارتجال الإبداعي في حالات الطوارئ على العقائد الرسمية —وهو نهج أثبت جدواه مراراً وتكراراً— بالإضافة إلى الانقسامات السياسية التي تعيق التوافق حول الأهداف الوطنية، وهو ما تظهره الوثيقة الحالية أيضاً.
وقد تعلق هذا التردد بالسياسة الإسرائيلية ، تمييزاً لها عن “عقيدة الجيش الإسرائيلي” التي طُوِّرت في العقد السابق، وعن التقييمات متعددة السنوات التي يجريها مجلس الأمن القومي الإسرائيلي .
وكما تقر الوثيقة، فإن طبيعة الحرب التي تخوضها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 دفعتها إلى إعادة النظر في هذا النهج ، ونتيجة لذلك، اضطر القادة السياسيون في إسرائيل إلى وضع خريطة منهجية للتهديدات التي تواجهها إسرائيل، وإعادة صياغة استجابتها في شكل توجيهات سياسية تهدف إلى توجيه مختلف أذرع المؤسسة الدفاعية والجهات الحكومية الأخرى ذات الصلة؛ بما في ذلك وزارات الخارجية والمالية والأمن الداخلي، وحتى وزارة التعليم (بهدف الحفاظ على تفوق إسرائيل التكنولوجي والمعلوماتي).
ومع ذلك، فإن ما نُشر ليس سوى موجز مقتضب جداً لعملٍ تحضيري قام به مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، بمساعدة خبراء من خارج المؤسسة، بمن فيهم باحثون من “معهد القدس للاستراتيجية والأمن”.
وقد أثار طرح الوثيقة -قبل نحو أسبوع من انتخابات الكنيست- تساؤلات متوقعة في الأوساط السياسية والعامة ، كما انتقد البعض صدورها باسم رئيس الوزراء منفرداً، مما يوحي بأن الحكومة أو اللجنة الوزارية لشؤون الأمن القومي (المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية) لم تقم بإقرارها. وبالفعل، يستوجب بعض ما ورد في الوثيقة النقد، وكذلك “خريطة المحاور” الإشكالية التي قُدِّمت إلى جانبها.
ومع ذلك، فإن وضع مبادئ موجزة لتنظيم عقيدة أمن قومي جديدة يُعد خطوة مهمة إلى الأمام؛ إذ يفتح الباب أمام نقاش علني ونقدي (وهي سمات تشيد بها الوثيقة ذاتها)، وهو نقاش ينبغي أن يفضي في نهاية المطاف إلى وثيقة أكثر شمولاً تحظى بموافقة المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية الإسرائيلي.
التهديدات والتحالفات على المستوى الاستراتيجي
يُعدُّ خطر تقارب “محاور” معادية ركيزةً أساسية في تقييم الوثيقة للتهديدات الاستراتيجية. فبينما يشير النص المكتوب إلى “محور يضم الشيعة وجماعة الإخوان المسلمين”، توضح الخريطة المرفقة أن الأمر يتعلق بمحورين منفصلين، مع الإشارة إلى احتمالية تقاربهما؛ نظراً لعدائهما العميق والمشترك لوجود إسرائيل ذاته، وهو عداءٌ ينبع من رؤية إسلاموية شمولية للعالم.
وتُعد حركة حماس -وإن لم تُذكر صراحةً في هذا السياق- مثالاً جلياً على هذا التقارب؛ فهي جزء لا يتجزأ من جماعة الإخوان المسلمين، وفي الوقت ذاته اعتمدت على دعم النظام الإيراني الشيعي.
تُعد إيران الدولة الوحيدة التي ذُكرت بالاسم في متن الوثيقة ، أما الخريطة المرفقة، فتُظهر معسكرين رئيسيين يشكلان تهديداً (بعض هذه التصنيفات مثير للجدل)، إلى جانب معسكر ثالث تعتبره إسرائيل حليفاً لها:
1-المحور أو المعسكر الإيراني-الشيعي.
الذي يضم -وفقاً للخريطة- إيران، والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، وما تبقى من معاقل لحزب الله في جنوب لبنان، والمناطق التي لا تزال تحت سيطرة حماس في قطاع غزة (وهي مناطق يمكن وصفها بدقة أكبر -كما أُشير سابقاً- بأنها مناطق تابعة لجماعة الإخوان المسلمين وتعمل بالتعاون مع إيران، لا لصالحها)، بالإضافة إلى أجزاء من العراق تقع تحت نفوذ ميليشيات شيعية موالية لإيران.
2- “تحالف الألماسة” (Diamond Alliance) .
الذي تتشكل رؤوسه الأربعة -بحسب الخريطة- من تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية ومصر ، كما تشير الخريطة إلى أطراف أخرى ترتبط بهذا التحالف، وهي: قطر، والبحرين ، وسوريا، والأردن، والأجزاء السودانية الخارجة عن سيطرة قوات الدعم السريع، وغرب ليبيا، والسلطة الفلسطينية.
ويُعد هذا التصوير إشكالياً للغاية، لا سيما عند استخدامه لتوضيح ما أسماه النص “محور جماعة الإخوان المسلمين”، كما أن إدراج الحدود الغربية والشرقية ضمن التهديدات يندرج في إطار المخاطر المحتملة أكثر من كونه يعكس تطورات واقعية؛ فمصر، في الواقع، حرصت على عدم الانضمام إلى ما يُسمى “تحالف مكة”، وهي بالتأكيد لا تنتمي أيديولوجياً إلى معسكر جماعة الإخوان المسلمين.
فمن و جهة نظر الإخوان المسلمين ارتكب الرئيس عبد الفتاح السيسي مذبحة بحق أعضاء الجماعة في أغسطس 2013، ولا يزال ينظر إليهم باعتبارهم تهديداً وجودياً، وذلك على الرغم من تحسن العلاقات مع تركيا في عهد رجب طيب أردوغان خلال السنوات الأخيرة.
وتظل البحرين شريكاً في “اتفاقيات أبراهام” رغم الضغوط الداخلية ، كما يظل الأردن شريكاً في السلام، وشريكاً في عمليات معينة تهدف إلى إحباط التهديد الإيراني، رغم العداء الشعبي تجاه إسرائيل.
وفي المقابل، تبدو قطر كطرف ثانوي على خارطة التهديدات، رغم أنها أكثر ارتباطاً – مقارنة بأي دولة أخرى – بنهج أردوغان وعدائه لإسرائيل، وتُعد المصدر الرئيسي للتحريض ضد إسرائيل على المستويين الإقليمي والعالمي.
إن صياغة الوثيقة في حد ذاتها لا تمثل إشكالية، لكن الصور المرفقة بها تستدعي إعادة النظر ، وينطبق هذا بشكل خاص في ظل وجود مساعٍ – كما صرح الرئيس دونالد ترامب علناً – لإعادة المملكة العربية السعودية نحو مسار التطبيع مع إسرائيل وتقديم الدعم لها في اليمن.
3- “تحالف الأضلاع الستة” (Hexagon Alliance).
الذي تشكل إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة ركيزتيه الأساسيتين ، غير أن تصوير هذا التحالف يثير إشكالية من نوع آخر؛ إذ تتضمن الخريطة شركاء خارجيين تقتصر التزاماتهم على جوانب محددة، وهم: الهند، وأذربيجان، واليونان، وقبرص، وأرض الصومال (التي تعترف بها إسرائيل كدولة)، وإثيوبيا، بالإضافة إلى المغرب (الذي يقع خارج نطاق الخريطة المعروضة).
كما تشير الوثيقة إلى أطراف تسيطر على أجزاء فقط من دول معينة، مثل:
- قوات الدعم السريع في غرب السودان.
- خليفة حفتر في شرق ليبيا (الذي سرعان ما غيّر موقفه لاحقاً، مصادقاً على اتفاقية مثيرة للجدل مع تركيا بشأن ترسيم الحدود البحرية).
- ما كان يُعرف بـ “المجلس الانتقالي الجنوبي” في اليمن (المدعوم من الإمارات).
- الدروز في جنوب سوريا.
وحتى لو كانت بعض هذه التقديرات تستند إلى أسس متينة، فإن الأعراف الدبلوماسية المستقرة — القائمة على مبدأ عدم التدخل — تقتضي إبقاء مثل هذه المسائل ضمن نطاق المناقشات السرية.
فإعلانها علناً قد يُفسر على أنه تأكيد لمزاعم الخصوم بأن إسرائيل تسعى فعلياً إلى تفكيك دول المنطقة وتشجيع القوى الانفصالية.
ومع ذلك، ورغم هذه التحفظات، تجدر الإشارة إلى أن الوثيقة — من خلال تسليط الضوء على التحالفات — تضفي مضموناً دبلوماسياً واستراتيجياً على وصف إسرائيل كقوة إقليمية.
ويُستشف من ذلك أن إسرائيل ينبغي لها — وبإمكانها — تحويل الإنجازات اللافتة التي حققتها حملتها العسكرية على مدى السنوات الثلاث الماضية إلى مكاسب دبلوماسية، وبناء علاقات إقليمية متينة مع شركاء يشاركونها الرؤية ذاتها بشأن خريطة التهديدات في المنطقة.
وفي حين تركز الوثيقة على البعد الدبلوماسي الإقليمي ضمن الاستراتيجية الكبرى لإسرائيل، فإنها تحذر أيضاً من تزايد العزلة على الصعيد الدولي، نتيجةً لمحاولات نزع الشرعية عنها في الغرب وفقدانها لحلفائها التقليديين.
ورغم أنها لا تذكر الولايات المتحدة صراحةً (علماً بأن العلاقات مع الجانب الأمريكي تحتل مكانة بارزة في عقيدة الجيش الإسرائيلي)، إلا أن تناولها لمسألة “الاستقلالية في التسلح” — كما سيُناقش لاحقاً — يلمح إلى الهدف الذي أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي علناً، والمتمثل في التخلي تدريجياً عن برنامج التمويل العسكري الأجنبي (FMF).
إن أي تغيير محتمل في الالتزام الأمريكي بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” (QME) لإسرائيل يطرح، بطبيعة الحال، تساؤلات ملحة حول كيفية الحفاظ على التفوق التكنولوجي الإسرائيلي؛ وتقدم الوثيقة في هذا الصدد تصوراً أولياً لهذا النقاش.
الجوانب التكنولوجية للاستجابات في خريطة التهديدات
تحتل التكنولوجيا مكانة بارزة في كل من التهديدات والاستجابات الواردة في الوثيقة ، فهي تقر بالوتيرة المتسارعة لتغير الأسس التكنولوجية — في مجالات مثل التواجد في الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية — وكيف تؤدي هذه التغيرات إلى ظهور أسلحة جديدة.
وتبرز الطائرات المسيرة (الدرونز) كأحد أهم التهديدات؛ إذ ظهر تأثيرها جلياً لأول مرة في أوكرانيا، وسرعان ما انتقلت إلى الجبهات التي تخوض فيها إسرائيل صراعاتها.
ويعكس تصنيفها المتقدم في قائمة التهديدات — من بين أمور أخرى — تأثيرها المحتمل على التصورات العامة والصمود المجتمعي، وهو تأثير يفوق في أهميته حجم الأضرار والخسائر المادية التي تسببت فيها حتى الآن.
واستكمالاً لوصف رئيس الوزراء السابق لإسرائيل بأنها “سبارتا عظمى” (Super Sparta)، تضع الوثيقة تحقيق التفوق التكنولوجي والحفاظ عليه كهدف صريح، وكوسيلة رئيسية لترسيخ مكانة إسرائيل في المنطقة.
ويتطلب السعي نحو هذا التفوق متابعة مستمرة للاتجاهات والتحولات في الأسلحة المتقدمة، وهي مهمة قد تعيد صياغة دور مجتمع الاستخبارات.
ومن هنا أيضاً تأتي دعوة الوثيقة إلى زيادة جوهرية في ميزانية الدفاع ، ومع ذلك، لا تتطرق الوثيقة — بشكل مباشر على الأقل — إلى الركيزة الاجتماعية الأساسية لتحقيق هذا الهدف، وهي نظام تعليمي عالي الجودة قادر على إعداد الجيل القادم من قادة الابتكار في المؤسسة الدفاعية والصناعات ذات الصلة.
تولي الوثيقة أهمية كبيرة للأنظمة القتالية غير المأهولة (التي تُدار عن بُعد)، سواء باعتبارها تهديداً أو كأداة للاستجابة ، وتشمل هذه الأنظمة المركبات العسكرية والطائرات المسيرة، فضلاً عن القطع البحرية ذاتية التشغيل (وإن لم تُذكر صراحةً) .
وفي أعقاب النجاحات التي حققها سلاح الجو، بدأت القوات البرية في الجيش الإسرائيلي بالفعل في تبني هذا النهج إلى حد ما ، ومن المتوقع أن تتزايد الحاجة إلى هذه الأنظمة، لا سيما في ظل النقص في القوى البشرية الذي يواجهه الجيش الإسرائيلي في المستقبل المنظور.
كما تشير الوثيقة إلى دور التكنولوجيا — وتحديداً الذكاء الاصطناعي — في الصراع على تشكيل التصورات العامة، وهو ما تعتبره الوثيقة ساحة معركة بالغة الأهمية في حد ذاتها.
وينطبق هذا سواء على الدول المعادية صراحةً، مثل إيران — حيث تتوفر سبل لإثارة الاضطرابات — أو على معركة كسب الرأي العام الغربي، ومواجهة التيارات المناهضة للصهيونية — بل والمعادية للسامية — التي باتت متجذرة في قطاعات واسعة من الطيفين السياسي، اليساري واليميني على حد سواء.
استخدام القوة
تسعى صياغة الوثيقة المتعلقة بحشد القوة واستخدامها إلى القطيعة مع الأفكار التي كانت سائدة قبل السابع من أكتوبر ، وهي تمضي أبعد من ذلك عبر إعادة صياغة ركائز عقيدة الأمن القومي؛ إذ تشمل هذه العقيدة الثالوث الأصلي الذي يعود تاريخه إلى خمسينيات القرن الماضي —وهو الردع، والإنذار المبكر، وتحقيق هزيمة حاسمة للعدو— بالإضافة إلى “الدفاع”، الذي تحول تدريجياً في العقود الأخيرة ليصبح ركيزة رابعة.
وتجعل الوثيقة من “المنع” (أو الوقاية) سبباً جوهرياً لاستخدام القوة. وينصبّ هذا المبدأ، قبل كل شيء، على منع دول معادية —وإيران تحديداً في الوقت الراهن— من امتلاك أسلحة نووية، لكن نطاقه يمتد ليشمل أبعاداً أوسع؛ فهو يعني الاستعداد لاستخدام القوة، عند الضرورة، لوقف أي حشد عسكري خطير، أو منع ظهور تهديدات جديدة على حدود إسرائيل أو حتى في مناطق أبعد.
ويمكن اعتبار هذا المبدأ —إلى جانب عمليتي “الأسد الصاعد” و”الأسد الزائر”— صدىً لقرار بن غوريون بشن حرب وقائية عام 1956، وهو قرار اتُخذ آنذاك بدعم من فرنسا وبريطانيا؛ وهما حليفتان كانت تجمعهما بإسرائيل مصلحة مؤقتة في مواجهة حكم الرئيس جمال عبد الناصر في مصر.
ولا يقتصر هذا المبدأ على فكرة “الضربة الاستباقية” ضد عدو يقف على الأبواب —كما كان الحال في حرب الأيام الستة 1967— بل يتضمن عزماً راسخاً على منع العدو من مراكمة قوته العسكرية من الأساس.
وعليه، تبتعد الوثيقة عن المفاهيم السابقة التي كانت تحكم دور الاستخبارات في توجيه عمليات بناء القوة واستخدامها ، فقد كان بن غوريون يرى أن موارد إسرائيل المحدودة لا تسمح بالحفاظ على حالة تأهب قصوى ودائمة للحرب في مواجهة عدو يمتلك قدرات أكبر بكثير؛ لذا كان الرهان على “الإنذار المبكر” بشأن نوايا العدو، بما يتيح لإسرائيل حشد قوات الاحتياط في الوقت المناسب، وتحقيق نصر حاسم وسريع، ثم العودة إلى الحياة الطبيعية.
أما الوثيقة الجديدة، فهي ترفض صراحةً الاعتماد —سواء في بناء القوة أو في الحفاظ على حالة التأهب الدائم للحرب— على “نوايا الأعداء والأصدقاء” (وهي إشارة ضمنية، ربما، إلى شركاء السلام على الحدود الغربية والشرقية؟)، إذ إن هذه النوايا قد تتغير في لمح البصر.
تتضح التبعات هنا؛ فالاستعداد لمواجهة القدرات العسكرية يعني الإبقاء على قوة كبيرة من الجنود النظاميين وقوات الاحتياط في حالة تعبئة مستمرة، وذلك لمواجهة القدرات العسكرية المتراكمة لدى “المعسكر العربي” – رغم أن القدرات العسكرية السورية، على سبيل المثال، قد تآكلت بشكل كبير، ولم يعد كل من “حزب الله” و”حماس” يتمتعان بالقوة التي كانا عليها في السابق.
وتخلص الوثيقة -عن حق- إلى ضرورة زيادة ميزانية الدفاع، لكنها لا تبحث في التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على العيش كـ “إسبرطة عظمى” على المدى الطويل، كما أنها لا تتناول التبعات الدبلوماسية والاستراتيجية، بما في ذلك تفاقم “المعضلة الأمنية” بالنسبة لجيران إسرائيل.
ويُطرح “الردع” كمبدأ تنظيمي، يستند الآن إلى القدرة على توجيه ضربات نارية دقيقة واسعة النطاق -بما في ذلك تعطيل الأنظمة المدنية- وهو أسلوب سبق استخدامه ضد الحوثيين في جولات سابقة.
ويظل إيصال هذه الرسالة إلى الأعداء -أو من قد يصبحون أعداءً- هدفاً مهماً بحد ذاته ، ومع ذلك، تحذر الوثيقة من الركون إلى افتراضات لا أساس لها حول الهدوء أو التهدئة، إذ قد يؤدي ذلك إلى تراجع في الجهد العسكري المستمر؛ وهو تحذير يعكس الدروس المستفادة من أحداث السابع من أكتوبر.
كما يظل “الإنذار المبكر” ضرورةً قائمة، طالما لم يتم تحييد قدرات العدو؛ لذا تبرز الحاجة إلى توفير صورة استخباراتية “مستمرة وفعالة” لمنع حدوث مفاجآت، دون أن يكون ذلك بديلاً عن الجاهزية الدائمة للحرب.
وتتجنب الوثيقة تماماً مصطلح “الهزيمة الحاسمة للعدو” -وهو مصطلح اتسم بالغموض منذ البداية- وتستعيض عنه بـ “الانتصار”، الذي تعرّفه بأنه: “كسر قوة العدو وتقويض إيمانه بقدرته على تشكيل تهديد حقيقي”، كما تدعو الوثيقة إلى تبني “المبادرة والدهاء”، مع الاستفادة الكاملة من “النهج غير المباشر”، استلهاماً لأفكار استراتيجيين بدءاً من “سون تزو” وصولاً إلى “ليدل هارت”.
وأخيراً، تتناول الوثيقة الجانب الدفاعي؛ ففي أعقاب السابع من أكتوبر، تدعو إلى بناء القدرة على إحباط أي غزو -وذلك من خلال تعزيز دفاعات الجبهة الداخلية- وإنشاء مناطق عازلة، وهو إجراء نفذته إسرائيل بالفعل في كل من غزة وسوريا ولبنان.
كما تتضمن الوثيقة تعزيز الدفاع التكنولوجي للجبهة الداخلية -سواء عبر أنظمة قائمة أو أخرى قيد التطوير- للتصدي لأي غزو، وكذلك لمواجهة التهديد المتنامي بسرعة والمتمثل في الطائرات المسيرة.
الصمود والحوكمة
عندما خاطب بن غوريون مجلس الوزراء في عام 1953، خصص جزءاً كبيراً من حديثه لموضوع الصمود والبنية الاجتماعية، حتى إنه دقق في الخلفيات الاجتماعية لضباط الجيش الإسرائيلي.
كان قلقه بشأن قدرة المجتمعات الناشئة “المستوطنات” في المناطق الحدودية على الصمود والبقاء أمراً جلياً؛ وهو ما يفسر معارضته لسياسة “الدفاع” (بمفهومها التقليدي)، وتفضيله بناء قدرات تتيح نقل المعركة إلى أراضي العدو، بهدف هزيمته بشكل حاسم وسريع.
وتُرجع الوثيقة الحالية الفضل في الصمود خلال الحرب إلى “الجبهة الداخلية”، وترى الوثيقة أن إنشاء مناطق عازلة من شأنه تخفيف المعاناة عن المناطق الحدودية، التي شهدت عمليات إجلاء واسعة النطاق وغير مسبوقة أثناء القتال.
ومع ذلك، لا تتناول الوثيقة مسألة إعادة الإعمار —لا سيما في الشمال— باعتبارها قضية تتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي.
وتشير الوثيقة، ضمن قائمة التهديدات التي تستعرضها، إلى وجود مخزونات كبيرة من الأسلحة —بما في ذلك الطائرات المسيرة— بحوزة جماعات إجرامية، وتحديداً في أوساط الجريمة المنظمة في الوسط العربي؛ وهو وضع قد يتحول إلى معضلة تمس الأمن القومي، رغم أن الوثيقة لا تطرح تصوراً لكيفية التعامل مع هذا التهديد.
وبذلك، تقر الوثيقة بأن إخفاقات الحوكمة تترتب عليها تداعيات استراتيجية ، فالأسلحة غير القانونية ليست سوى مظهر واحد من مظاهر هذا الإخفاق؛ إذ توجد إخفاقات أخرى تؤثر اليوم على التماسك الاجتماعي، وأداء مؤسسات الدولة، والحياة اليومية في إسرائيل.
خاتمة:
- ما الذي تشير إليه هذه الوثيقة؟
- ما الذي تغفله؟
- ما الذي ينبغي حدوثه بعد الانتخابات؟
يُعد إعداد هذه الوثيقة وطرحها خطوة مهمة نحو صياغة عقيدة أمن قومي أكثر منهجية وشمولاً، وذلك على الرغم من توقيتها المشحون سياسياً، وحقيقة أنها قُدِّمت باعتبارها الموقف الشخصي لرئيس الوزراء الإسرائيلي.
وفي الوقت ذاته، تظل الوثيقة مجرد إطار عام يحتاج إلى تطوير وتفصيل، كما أنها تغفل عدداً من القضايا الجوهرية:
1- “العلاقة الديناميكية بين الأهداف والموارد” (وهو تعريف شائع للاستراتيجية الكبرى)، وذلك في سياق التعامل مع القوى البشرية والقدرات الاقتصادية التي ستعتمد عليها عملية بناء القوة في إسرائيل، لا سيما إذا ما تخلت عن برنامج التمويل العسكري الأجنبي (FMF) الأمريكي.
2- أولويات بناء القوة في فروع الجيش الإسرائيلي، ودور الصناعات الدفاعية وقدراتها التصديرية.
3- مقترحات لسياسات عملية تهدف إلى معالجة التهديد -المشار إليه في الوثيقة- الناجم عن الأسلحة غير القانونية داخل إسرائيل، مع توسيع نطاق هذه السياسات لتشمل أوجه قصور أخرى في الحوكمة، وهي أوجه تقوض التماسك الاجتماعي ومكانة إسرائيل على الساحة الدولية.
4- ينبغي أيضاً إيلاء الاهتمام للتبعات السياسية والأمنية للتطورات التي شهدها الجوار المباشر لإسرائيل خلال العام الماضي؛ إذ أدت “خطة ترامب” لمستقبل قطاع غزة إلى صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، وما تضمنه من آلية متعددة المستويات لتنفيذه، وهي آلية أثبتت عدم فاعليتها حتى الآن.
كما يبرز الحوار مع الحكومة اللبنانية بشأن موقفها المعلن رسمياً والحازم تجاه “حزب الله” -إلى جانب الصعوبات التي تواجه ترجمة هذا الموقف إلى ممارسات فعلية على الأرض- بالإضافة إلى قنوات التواصل مع سوريا التي تتعلق بمنطقة جبل الدروز وترتيبات أمنية أوسع، وذلك في ظل الدور الإشكالي الذي تلعبه تركيا، والدعم الأمريكي لهذا الدور.
هناك أسئلة أخرى لا تتناولها الوثيقة -وقد أُشير إلى بعضها في هذه الورقة- تتعلق، من بين أمور أخرى، بالمجال البحري وأمن طرق التجارة الخاصة بإسرائيل.
وبناءً عليه، سيتعين على الحكومة الإسرائيلية القادمة تطوير هذه الوثيقة لتصبح توجيهاً أوسع وأكثر شمولاً وتفصيلاً للسياسة الاستراتيجية. وسيتطلب ذلك عملاً منهجياً من قِبل الطواقم المختصة، يليه اعتماد رسمي من الحكومة أو من اللجنة الوزارية المعنية بشؤون الأمن القومي الإسرائيلي.
محاولات الهروب إلى الأمام
وختاماً ، تؤكد هذه الوثيقة أن محاولات الهروب إلى الأمام عبر التحشيد العسكري، وتوسيع المناطق العازلة، والتشبث بأوهام التفوق التكنولوجي، لن ترمم جدار الردع الصهيوني الذي تهشم تحت ضربات محور المقاومة وصواريخ إيران الباليستية.
إن غياب الرؤية الواقعية للموارد الاقتصادية والبشرية، والتخبط في قراءة الخريطة الإقليمية والتعامل مع أزمات الحوكمة الداخلية، يؤكد أن واشنطن وتل أبيب تسبحان في وحل استراتيجي خطير.
وسيبقى مصير هذا الكيان رهيناً لتآكل مشروعه من الداخل وعجز ترساناته عن حماية عمق متهالك، مما يجعل من هذه العقيدة مجرد حبر على ورق أمام حتمية السقوط الاستراتيجي وطي صفحة الاحتلال.
…………………………………………………………………………………………………..
رابط التقرير فى لغته الأصلية:
The Prime Minister’s National Security Document: Meaning and Implications





