لماذا يُعد دعم إيران “الآن” واجب ديني ووطني؟ (١:٢)

سردية يكتبها :عادل أبوطالب المعازي

أثار تصريح “نتنياهو”، رئيس وزراء العدو، بشأن ضرورة القضاء على كل القوى الإسلامية التي من الممكن أن تُشكل خطرًا على إسرائيل وتمنع قيام الدولة اليهودية، جدلاً واسعًا.

فقد خرج “نتنياهو” في فيديو يقول فيه إنه يجب تحطيم كل القوى الإسلامية التي تهدد وجود الشعب اليهودي، وذكر تحديدًا مصر وإيران وباكستان، باعتبارهم آخر فروع القوة العسكرية الحقيقية في شجرة الدفاع الإسلامية والعربية، بعد تحطيم العراق وسوريا واليمن وتحييد الباقين!! وهو ما يبدو أنه الأمر الذي ترتب عليه – بحسب وسائل الإعلام – زيارة عباس عراقجي، رئيس وزراء إيران، إلى مصر، قبل الاعتداء الإسرائيلي على إيران بأيام، ولقائه بالرئيس السيسي، وقيل إنه أبلغه أو سلّمه معلومات عمّا يُتداول في مراكز صنع القرار في أمريكا، بإيعاز من اللوبي اليهودي هناك، بشأن ضرورة وضع حد للدور المتنامي لقدرات الجيش المصري، لما يشكّله من تهديد مباشر لأمن إسرائيل، وضرورة العمل على تحجيمه.

وهو نفس الكلام الذي تردّده القيادات الإسرائيلية في الفترة الأخيرة، بضرورة تنفيذ ضربة استباقية لإضعاف قدرات الجيش المصري، الذي أصبح على حدود إسرائيل، ويُشكّل حجر عثرة في كثير من الملفات التي تُضرّ بمصالحها، أهمها على الإطلاق مشروع “تهجير الفلسطينيين”، متسلحًا بأحدث المعدات العسكرية العالمية المتنوعة، ما يجعله تهديدًا صريحًا للكيان.

مجموعة السبع.. ومستشار ألمانيا على خطى نتنياهو

بعد أن أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، قبيل القمة، أنها أبلغت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الحل الدبلوماسي يظل الخيار الأمثل بشأن إيران، خرج – من جهته – المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ليؤكد ولاءه لأمريكا، خاصة أن ملف أوكرانيا لم يُحسم بعد، حيث صرّح بأن إسرائيل تقوم حاليًا بـ”العمل القذر” نيابة عن الغرب بأكمله، معبرًا عن امتنانه للإجراءات الإسرائيلية ضد إيران.

رد باكستان

من المؤكد أيضًا أن باكستان قد أخذت تهديدات نتنياهو بشأن ضرورة إنهاء خطر القنبلة النووية الإسلامية الباكستانية، ونعته للدولة الباكستانية بـ”المتطرفة”، على محمل الجد، حيث خرج خواجة محمد آصف، وزير الدفاع الباكستاني، ببيان صريح دعا فيه إلى ضرورة دعم إيران بعد الاعتداء الإسرائيلي غير المبرر عليها، وقال في كلمته أمام جلسة للجمعية الوطنية:
“نقف إلى جانب الدولة الجارة إيران بكل الطرق الممكنة”.

وقد بدأت باكستان فعليًا في نشر الجيش في المناطق الأكثر أهمية، بما فيها المنشآت النووية.

إذن، لماذا دعم إيران اليوم واجب ديني وقومي؟

بعد هذه المقدمة التي أردتُ فيها توضيح المخاطر التي تهدد وجود آخر ثلاث قوى إسلامية فاعلة في العالم، لأن هناك حملات صهيونية يهودية، وأخرى (صهيونية وظيفية إسلامية وعربية) بغيضة، تتجسس على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحرض المسلم السني على المسلم الشيعي، وهذه الحملات خلفها وحدات الموساد الإسرائيلي مثل الوحدة 8200 التي قصفتها صواريخ إيران في اليوم الرابع للحرب، وخلف الموساد يقف المتصهينون العرب، ووحدة 9900، ووحدة (دوفدفان)، وكلها يُروَّج لها بأنها تعمل على جمع الخرائط والأقمار الاصطناعية، ولكن عملها أشمل من ذلك بكثير، بهدف تمزيق الشعوب العربية والإسلامية بأساليب خبيثة، ليكون الاحتلال العسكري متوافقًا مع تفتيت الوعي، وإثارة الفتن، وتغذية الصراعات الداخلية، حتى أصبحت إسرائيل خارج دائرة المواجهة، وتركَت الشعوب العربية والإسلامية تستهلك طاقتها في صراعاتها الداخلية.

فأشعلوا الفتن الطائفية والمذهبية، فبات المسلم يحارب أخاه المسلم، بدلًا من التفرغ لمواجهة العدو الحقيقي اليهودي، حتى انشغل الجميع في معارك الحناجر وتفاهات الأحلام، ونسوا القضايا الكبرى، وضخ إعلام إسرائيل وعملاؤها من الخلايا المندسة سموم التفرقة والشقاق، حتى أصبح المجتمع العربي والإسلامي يشمت بعضه في مصائب بعض، وحُرّف مفهوم العدو والصديق، وأصبح الدفاع عن النفس حقًا مشروعًا للمعتدي لا للمُعتدى عليه، وصار العربي يرى في إسرائيل حليفًا، وفي الحليف عدوًا، ويحتقر نضال أمته، ونجح الأعداء في زرع الفتن والحروب بالوكالة، وبطريق (صنع الجماعات والتنظيمات الإرهابية)، ونجحت أجهزة الـCIA الأمريكية والموساد الإسرائيلي، وعملاؤهم من (الخلايا النائمة) في الدول الإسلامية والعربية، في تمزيق أوصال بعضهم في الدولة الواحدة وفي المجتمع الواحد، وأصبحت الأوطان ساحات للصراع والاقتتال الطائفي والداخلي، بدلًا من أن تُوظَّف الطاقات لقتال العدو، وتكون الشعوب جبهة واحدة ضد الاحتلال والهيمنة.

والنتيجة؟

أصبحت الشعوب الإسلامية والعربية مهلهلة ممزقة، يشمت بعضها في مآسي بعض، وتتحول النقاشات إلى تبادل للشتائم والتخوين، بدلًا من الحوار والتفاهم في القضايا المصيرية، فأصبحت قضية مثل فلسطين هامشية أو مثار سخرية، بينما يتم التسويق للتطبيع وكأنه إنجاز ودين جديد.
ولولا العرب المتصهينون من النشطاء والمرتزقة، لما نجحت إسرائيل.

ما حُجة الذين يروّجون لعدم تأييد ودعم إيران في حربها؟

يظن البعض أنني، أو كل من يدافع عن إيران الآن، ندافع عنها لمجرد التعاطف مع دولة اعتُدي عليها من دولة أخرى ظالمة مجرمة، تحميها قوى أظلم وأفجر منها.. والسلام!
أو أنه دفاع أهوج غير مبرر، دون سبب واضح، ومجرد من ثوابت دينية وسياسية تقع في صميم الأمن القومي الإسلامي والعربي، ثم الأهم… وهو الأمن القومي المصري.
أو أن الدفاع من باب “خالف تُعرف” كما هو حال البعض!
أو أنني متعاطف معها بشيك على بياض على حساب الدين والسُنة المحمدية — هذا لن يحدث — ولا حتى على حساب السياسة والمصالح الوطنية.

المصلحة الدينية والوطنية

لكن المصلحة الدينية والوطنية العليا الآن هي دعم إيران، لأنها تحارب العدو المشترك بيننا وبينهم، وتُقلم أظافره، وتُهينه الإهانة التي لم تحدث من قبل، من ضرب العمق، وإذلال وإخضاع رموزه، في قلب الدولة الصهيونية، والمتمثلة في عاصمتها ومنشآتها الرمزية، مثل مقر وزارة الدفاع والموساد، ومحطات ومصافي النفط والغاز، وأجبرت هذا الجيل الذي نشأ على الزهو والغطرسة والكبرياء على دخول الملاجئ، والسير عراة، بل وخروجهم إلى خارج إسرائيل فارّين مهزومين.

إذن، فهؤلاء الذين يرون أن في دعم إيران مخالفة للدين والسُنة النبوية، هم المتصهينون حقًا، وهم لا يفهمون لا في الدين من اقتضاء المصلحة، ولا في السياسة من منطلق عدو عدوي صديقي.
بل لا يعرفون غير ما يُملى عليهم وتنشره كتائب الصهيونية المغرضة في مراحيض الميديا، وفتاوى المدلّسين المتشددين الذين يفرّقون على أسس مذهبية وطائفية، دون النظر إلى الخطر الحالي القائم، والمتجه إلى إقامة الدولة اليهودية الجديدة، وإعادة ظهور مملكة يهوذا الغابرة على جثث جميع المسلمين — حتى عملاؤهم من المتصهينين فدورهم مؤجل!!

ولا تكفّ التنظيمات والحركات المتشددة المكفّرة، التي ترى في كل ما سواها من المسلمين غير مسلمين، عن بثّ سمومها وأفكارها في عقول البسطاء، وهؤلاء كما قيل فيهم: “لا الإسلام نصروا، ولا الأعداء كسروا”.
وكل تحريضهم من أجل مصالح ومطامع شخصية خاصة بهم، وذلك بذريعة أن الشيعة العلوية يسبّون أصحاب النبي ﷺ وأزواجه.
ونقول لهم: وهل حافظتم أنتم على سنة رسول الله؟
بل، هل حافظتم على ما جاء في كتاب الله تعالى من أوامر ونواهٍ؟!

وهؤلاء لا يرون من الأمور غير منظور العداء المطلق، دون اقتضاء المصلحة في عالم غير متوازن ومتغير ومتلون، ومن تظنه الأقرب لك هو عدوك المبين، ومن تظنه عدوك هو الصديق الحميم.
ولو كان الأمر كما يفسره هؤلاء، بأن إيران عدو مبين للسنة، إذن فبمَ نفسر الذي يحدث بين السنة وبعضهم؟ أليس أشد مما يحدث حتى من اليهود للمسلمين؟ إذا أخذنا في الاعتبار بين المسلمين السنة روابط الدين والدم والمصير المشترك!
ولو كان العداء لإيران واجبًا، إذن فالعداء لليهود والغرب الصليبي فرض، لأننا في مثل هذه الظروف بين الخطر والأخطر منه — إذا افترضنا بخطر إيران على العرب — يجب أن نقارن: أيّهما أشد خطرًا وعداءً على الإسلام ذاته؟
الكافر الذي يرى أنه لا بد من الخلاص من عقيدة الإسلام نفسها يومًا، ثم نتودد إليه ونقيم معه الشراكات والاتفاقيات ونحن — في أحيان، بل في كل الأحيان — مرغمون مكرهون لا نستطيع الرفض!!
أم المسلم المختلف معنا مذهبيًا، والذي نعرف أولَه وآخرَه، وحلمَه معروف، وطموحَه مكشوف، والرد عليه معتاد ومألوف؟

وإن كانت إيران عدوًا… فاجعل عدو عدوك صديقك 

ببساطة وبالاعتبار السياسي، نستطيع أن نفهم لماذا نؤيد إيران في حربها مع إسرائيل إذا فهمنا مقصد هذا المثل الشعبي البسيط، الذي لخّص قواميس المصالح.
إذن، عداؤنا مع إيران الشيعية أسهل وأقل تكلفة من العداء مع دولة مثل إسرائيل مثلًا، التي تحكم العالم وتُسخّره رهن إشارتها.
وحتى لا نستعجل، فهذا يتم وفق إرادة إلهية من الله تعالى، لخّصها في قوله سبحانه:

“وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرًا”

ولأنه سبحانه بهذا المدد يريد من الطغيان والإفساد في الأرض ليقضي أمرًا كان مفعولًا… فلن تُسقَط على اليهود المليارات من السماء، ولكن يجعل من عباده في الأرض من يقومون بذلك!

مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاثنين: إيران وإسرائيل، أصحاب مشاريع توسعية في المنطقة، لا يقل خطر أحدهما عن الآخر، ولكن… إذا دققنا كيف تنظر إسرائيل إلى إيران، وجدنا أنها تعتبرها دولة إسلامية مثلها مثل مصر، مثل باكستان، مثل العراق، مثل اليمن — وهنا أحدد الدول التي تعتبرها إسرائيل تمثل الخطر الحقيقي على وجودها — وليس الدول التي تخدم إسرائيل أكثر من خدمة إسرائيل لنفسها، أو الأكثر صهيونية من الصهاينة أنفسهم!.

اقرأ أيضا:

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى