خالد سالم يكتب: رقي الدول يقاس برفاهية المسنين
بيان
في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة ويزداد التركيز على الإنتاجية والشباب، تبرز قضية رعاية المسنين كمعيار حقيقي لرقي الأمم وتقدمها الحضاري. فالمجتمعات المتقدمة لا تقاس بناطحات السحاب أو بالتكنولوجيا المتطورة فحسب، بل بالطريقة التي تتعامل بها مع أكثر فئاتها احتياجاً وعطاءً.
## المعاش الشهري: صون الكرامة الإنسانية
المعاش الشهري ليس مجرد مبلغ مالي يُصرف للمسن، بل هو تجسيد لاعتراف المجتمع بقيمة العطاء والتضحية التي قدمها هؤلاء الأشخاص طوال سنوات عملهم. لابد أن يكون هذا المعاش كافياً لصون كرامة المسن وتوفير حياة كريمة له، بحيث لا يضطر إلى مد يده للآخرين أو العيش في حالة من الحرمان بعد عطاء العمر.
الكرامة الإنسانية مبدأ أساسي لا يمكن التنازل عنه، والمسن الذي أفنى شبابه في خدمة وطنه وأسرته يستحق أن يعيش سنواته الأخيرة في أمان واستقرار مالي. هذا ليس منة من أحد، بل حق مكتسب وواجب مجتمعي.
## الرعاية الصحية: حق لا امتياز
الصحة أغلى ما يملكه الإنسان، وهي بالنسبة للمسن أمر حيوي لا يحتمل التأجيل أو الإهمال. توفير الرعاية الصحية الشاملة للمسنين يتطلب نظاماً متكاملاً يشمل:
– الفحوصات الدورية المجانية للكشف المبكر عن الأمراض
– الأدوية الأساسية بأسعار مدعومة أو مجانية
– الرعاية المنزلية لمن لا يستطيع التنقل
– المستشفيات المتخصصة في أمراض الشيخوخة
– العلاج النفسي والاجتماعي للتعامل مع التحديات النفسية للتقدم في السن
## تبسيط الإجراءات الحكومية
من أبسط مظاهر الاحترام للمسنين تخصيص يوم محدد في الأسبوع في المصالح الحكومية لإنهاء إجراءاتهم. هذه الخطوة البسيطة تحمل في طياتها معاني عميقة:
– توفير الوقت والجهد على المسنين وأصحاب المعاشات
– تقليل الزحام والانتظار الطويل
– ضمان الخدمة السريعة والمتخصصة
– إظهار الاحترام والتقدير لهذه الفئة المهمة
## رد الجميل: واجب وطني
بعد رحلة كفاح طويلة في خدمة الوطن، يصبح رد الجميل واجباً أخلاقياً ووطنياً. هؤلاء الرجال والنساء الذين بنوا ما نعيش فيه اليوم، والذين ضحوا بأعمارهم وصحتهم في سبيل رفعة الوطن، يستحقون منا أكثر من مجرد الاعتراف بالفضل.
رد الجميل لا يكون بالكلمات فقط، بل بالأفعال الملموسة التي تترجم التقدير إلى واقع معاش يومي. كل قرار يُتخذ لصالح المسنين هو استثمار في قيم المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة.
## خطوات إيجابية نحو الاتجاه الصحيح
تستحق الدولة الثناء على الخطوات الإيجابية التي اتخذتها لدعم المسنين، ومنها:
– تخفيض أسعار المواصلات العامة بنسبة 50% لمن هم فوق الستين
– المواصلات المجانية لمن هم فوق السبعين
هذه الإجراءات تعكس فهماً عميقاً لاحتياجات المسنين وتقديراً لظروفهم الخاصة. فالتنقل حاجة أساسية، وتسهيل هذه الخدمة يساهم في تحسين نوعية حياة المسنين وإدماجهم في المجتمع.
## نماذج من الخدمات المقدمة للمسنين في الدول النامية
تقدم العديد من الدول النامية نماذج مبتكرة لرعاية المسنين رغم التحديات الاقتصادية التي تواجهها، ومن هذه النماذج:
### البرازيل: استراتيجية الصحة الأسرية
تطبق البرازيل استراتيجية الصحة الأسرية (FHS) التي تشمل الرعاية المنزلية للمسنين، حيث تقدم:
– الرعاية المنزلية المتكاملة من خلال فرق طبية متخصصة
– برامج الرعاية الأولية* المجتمعية للمسنين
– خدمات الصحة النفسية والاجتماعية
### ماليزيا: التكامل التقني في الرعاية
تستخدم ماليزيا الاستشارات الطبية عن بُعد ومراقبة الصحة والاستجابة للطوارئ، مما يقلل الحاجة للزيارات الجسدية للمرافق الصحية، وتشمل خدماتها:
– الاستشارات الطبية عن بُعد للمسنين في المناطق النائية
– أجهزة مراقبة الصحة القابلة للارتداء لمتابعة الحالة الصحية
– نظم الإنذار المبكر للحالات الطارئة
### تايلاند: تحسين إمكانية الوصول للخدمات
تواجه تايلاند تحديات في ضمان وصول المسنين للخدمات الصحية في المناطق الريفية، وتعمل على:
– تطوير شبكة مراكز صحية في المناطق الريفية
– برامج التوعية الصحية المجتمعية
– خدمات النقل المدعومة للمسنين
### إندونيسيا: الرعاية المجتمعية
تركز إندونيسيا على خدمات الرعاية المجتمعية للاستجابة للنمو السريع في عدد المسنين، وتتضمن:
– مراكز الرعاية النهارية* للمسنين
– برامج التدريب للمقدمين للرعاية في المجتمع
– شبكات الدعم الاجتماعي المحلية
### الهند: نماذج الرعاية المختلطة
تواجه الهند تحديات كبيرة في تقديم الرعاية للمسنين خاصة في المناطق الريفية، وتعمل على:
– برامج الرعاية المنزلية بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية
– مراكز الرعاية الصحية الأولية المتخصصة
– برامج التأمين الصحي المدعومة للمسنين
### نماذج مبتكرة من دول أخرى
تقدم عدة دول نماذج رعاية ميسورة التكلفة مثل كوستاريكا والإكوادور والفلبين، وتشمل:
– قرى الرعاية المتكاملة للمسنين
– برامج الرعاية الصحية الشاملة بأسعار مدعومة
– خدمات السياحة العلاجية للمسنين
## التحديات المشتركة والحلول
معظم الدول النامية تفتقر للدعم الاجتماعي للمسنين خارج نطاق الأسرة، عدا قلة قليلة ممن عملوا في القطاع المنظم. لذلك تحتاج هذه الدول إلى:
– تطوير نظم الحماية الاجتماعية الشاملة
– تدريب الكوادر الطبية المتخصصة في رعاية المسنين
– لاستثمار في التكنولوجيا الطبية الميسورة
– تطوير نماذج الرعاية المختلطة بين القطاع العام والخاص
## الحاجة إلى مزيد من الدعم
رغم هذه الخطوات الإيجابية، نحتاج إلى مزيد من الدعم لمن ضحوا بأعمارهم في خدمة الوطن. هناك مجالات عديدة يمكن التطوير فيها:
- زيادة قيمة المعاشات لتواكب غلاء المعيشة
– تطوير دور الرعاية وتحسين الخدمات المقدمة فيها
– برامج ترفيهية وثقافية خاصة بالمسنين
– تقديم خدمات تقنية لمساعدتهم على التأقلم مع التطور الرقمي
– دعم نفسي واجتماعي للتعامل مع تحديات الشيخوخة
رقي الدول لا يقاس بالمؤشرات الاقتصادية فحسب، بل بالطريقة التي تتعامل بها مع أضعف فئاتها وأكثرها احتياجاً. المسنون هم ذاكرة الأمة وتاريخها الحي، وهم من حملوا الأمانة وسلموها للأجيال الجديدة.
الاستثمار في رعاية المسنين ليس عبئاً على الدولة، بل هو استثمار في القيم الإنسانية وفي مستقبل أجيال ستصبح هي أيضاً مسنة يوماً ما. عندما نحسن إلى المسنين اليوم، فإننا نبني مجتمعاً أكثر رحمة وعدالة، ونضع الأسس لمعاملة أفضل لأنفسنا عندما نصل إلى هذه المرحلة.
إن رفاهية المسنين مرآة تعكس حقيقة تقدم المجتمع وحضارته، وهي المقياس الأصدق لرقي الأمم وإنسانيتها.
………………………………………………………….
كاتب المقال: إعلامي ومحلل اجتماعي مصري





