“بريكس”: عصر العولمة الليبرالية انتهى.. والمستقبل للأسواق الناشئة
جاء ذلك خلال كلمة ألقاها بوتين، اليوم الأحد، عبر تقنية الفيديو أمام قادة دول مجموعة بريكس، في القمة المنعقدة في ريو دي جانيرو، والتي لم يتمكن من حضورها شخصيًا بسبب مذكرة توقيف دولية صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بجرائم حرب في أوكرانيا – وهي تهم ترفضها موسكو وتعتبرها مسيسة وعديمة الأساس القانوني.
توجّه جديد في الاقتصاد العالمي
بوتين دعا خلال كلمته إلى تعزيز التعاون بين دول “بريكس” في عدة مجالات استراتيجية، منها: الموارد الطبيعية، والخدمات اللوجستية، والتجارة والتمويل.
وشدد على أهمية زيادة الاعتماد على العملات الوطنية بين دول المجموعة في التبادلات التجارية، معتبرًا أن هذه الخطوة من شأنها أن تعزز استقلالها المالي، وتقلص الاعتماد على الأنظمة المالية الغربية، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على بعض الأعضاء، وعلى رأسهم روسيا.
وقال بوتين: “كل المؤشرات تدل على أن النموذج الليبرالي للعولمة لم يعد صالحًا للمرحلة الراهنة. مراكز الثقل الاقتصادي تتجه بوضوح نحو الأسواق الناشئة، التي يجب أن تستثمر هذا التحول لتأمين مصالحها وتعزيز استقلالها”.
“بريكس” توسع نفوذها.. والصين في الصدارة
تأتي تصريحات الرئيس الروسي في وقت تتسارع فيه خطوات توسّع تكتل “بريكس”، الذي لم يعد مقتصرًا على الدول الخمس المؤسسة (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا)، بل انضمت إليه في الآونة الأخيرة كل من مصر، الإمارات، إيران، إثيوبيا، وإندونيسيا.
ورغم تنوع الأعضاء، فإن الصين تظل المحرك الاقتصادي الأكبر للمجموعة، إذ يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي بمفرده إجمالي الناتج المشترك لباقي دول “بريكس” بنسبة تفوق 60%، ما يمنحها وزنًا نوعيًا داخل التكتل.
وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، يبلغ إجمالي الناتج المحلي الاسمي لدول “بريكس” الخمسة نحو 28 تريليون دولار، في مقابل أكثر من 51 تريليون دولار لدول مجموعة السبع الصناعية الكبرى (G7)، مما يعكس استمرار التفاوت الاقتصادي، رغم زحف “بريكس” التدريجي نحو موازين قوة جديدة.
ما وراء الرسائل.. قراءة سياسية
تحمل تصريحات بوتين في هذا التوقيت رسائل واضحة منها: التشكيك في هيمنة النظام الاقتصادي الغربي، والدفع نحو نظام مالي وتجاري بديل تقوده الأسواق الناشئة، وتعزيز الاصطفاف الجيوسياسي في مواجهة العقوبات الغربية المتزايدة على روسيا.
في السياق ذاته، تُعد دعوة بوتين للاعتماد على العملات الوطنية امتدادًا لمواقف سابقة عبّرت عنها موسكو وبكين، تدعو إلى تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في المعاملات الدولية، في إطار ما يعتبره البعض بداية تشكّل نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب.
نواة لنظام عالمي
بينما يشهد العالم تحولات اقتصادية كبرى، تأتي قمة “بريكس” ورسائل قادتها – وعلى رأسهم بوتين – لتؤكد أن المنافسة الجيوسياسية لم تعد تقتصر على السياسة فقط، بل أصبحت تمتد إلى الأسواق، والعملات، والتكنولوجيا، بل وحتى رؤية العولمة ذاتها.
ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع “بريكس” أن تشكّل بالفعل نواة لنظام عالمي جديد، أم أن التحديات الداخلية واختلافات المصالح بين أعضائها ستُبقي هذا الطموح قيد الانتظار؟.





