أحمد عاطف آدم يكتب: شفرة المراهقة بين الاجتياح والاحتواء (١٢)
بيان
على حد تعبير زوجتي الجميلة ساندي، إنّ أسوأ سنّ بالنسبة للفتيات من ١٠ إلى ١١ سنة،، وهو ما يُطلق عليه علماء النفس سن “المراهقة المبكرة”، حيث يبدأ الحيض ( الدورة الشهرية ) لدى فتيات اليوم في وقت أبكر منه بالأجيال السابقة، ورغم أن الهرمونات تبلغ الفتيان وكذلك الفتيات، لكن يبدو تأثيرها أوضح لدى الفتيات الشابات.
وأنا أشير دائمًا إلى المراهقين بمودّة على أنهم “جماعة الهرمون”، لأن الهرمونات هي التي تملي عليهم الأوامر خلال هذه السنوات، وهي التي تغير إعدادات تقلبات المزاج السريعة، حيث تخرج في عبارات مثل “أنت لا تسمح لي أن أفعل ذلك أبدًا” أو “أنت تفعل ذلك دائمًا” – الهرمونات هي التي تنشأ النقيضين اللذين يعمل من خلالهما المراهق.
خلال هذه السنوات الحرجة، تشبه شخصيات أولادك جهاز مقياس الزلازل أثناء هزّة أرضية في كاليفورنيا الجنوبية، حيث لا يسيطر الأولاد على عواطفهم دائمًا، وهذا يعني أنهم عندما ينخرطون في قتالٍ ما سواء مع الآخرين أو معك، يجب على أحدهم أن ينفخ الصافرة النفسية قائلاً: “حسنًا فليتوقف الجميع الآن، ودعونا نأخذ وقتًا مستقطعًا، ومن ثم نعود بعد أن يهدأ الجميع ونناقش المسألة التي أثارت ذلك الانفجار في العائلة، وأيًّا كانت تلك المسألة عندما تعود ثانية تكلم بعقلانية، ولتمنح كل شخص تلك الفرصة ليتحدث دون مقاطعة، ودع الآخر يوضح ما قاله حتى لا يكون هناك سوء تفسير.
فالسماح لكل شخص بالتنفيس قليلًا عمّا بداخله سيساعد في منع تحول التهيج الطفيف إلى انفجار كبير، وكذلك يعلم أولادك المراهقون أنّ القرارات الأفضل تُتخذ عندما يكون الجميع هادئين وليسوا في حالة ثورة .
خاص بالفتيات:
الدورة الشهرية هي التي تشكل كل أنواع المشاعر عند الفتيات – إذ يكنّ غاضبات، متوترات، متألمات، مجروحات، وعاطفيات بشكلِِ مفرط. والأمر الأذكى الذي يمكن أن تقوم به كل أم هو تهيئة ابنتها في سن مبكرة لتجربة الدورة الشهرية، (فمن الممكن أن تبدأ لدى بعض الفتيات في سنّ التاسعة أو العاشرة) ، وهكذا لا ترتبك الفتاة الصغيرة أو تتفاجىء عندما يحدث ذلك.
وفي حال قُدِّمت هذه المرحلة باعتبارها جزءًا طبيعيًّا من الحياة، وكخطوة لتصبح سيدة شابة، وكذلك بالنسبة لنمو الأعضاء الأنثوية الأخرى، ستكون ابنتك مستعدة بشكل جيد – ولكن لا تتوقفي عند مرحلة تهيئة ابنتكِ للتغيرات الجسدية التي ستجتازها أثناء الدورة الشهرية، فبعض الفتيات يصارعن بشدة معها – إذ يشعرن بالانتفاخ والاكتئاب، وهناك من لا يتأثرن على الإطلاق، وفي حال كانت ابنتكِ تصارع مع هذه الأعراض، تحدثي مع صيدلاني أو طبيب قريب منكِ، فهناك الكثير من المنتجات التي قد تساعدها أثناء هذا الأسبوع العصيب.
ومن المهم أيضًا أن تشعر ابنتكِ بالراحة لتشارككِ بمشاعرها أيًّا كانت تلك المشاعر – بطريقة محترمة طبعًا – دون أن تصدرين أحكامًا عليها.
إنّ هرموناتها المتغيرّة تُعدّها أيضًا للاهتمام بالفتيان ( بدرجات متفاوتة ) وبالأمومة، ففجأة ابنتك ذات ١٢ سنة، والتي لم تكن تكترث لأيّ طفل من قبل، تفكر بأنّ الأطفال جذّابون.
وهذا التغيير هو إعداد طبيعي لمرحلة الزواج والإنجاب في يومٍ ما. فالفتيات اللواتي يعلمن ما سيجتزنه، سوف يستمتعن بالقدرة على التحدث عن تلك التغيرات العاطفية مع أمهاتهنّ، وأولئكَ اللواتي لديهنّ آباء متفهمون، يجتزن سنوات النمو تلك بأقلّ حدّة.
انتهى الاقتباس الثاني عشر من كتاب “مراهق جديد في خمسة أيام” لعالم النفس الشهير د. كيفن ليمان.
ومما لا شك فيه عزيزي القارىء أن مثل تلك التغيرات الفارقة، التي تطرأ على أبنائنا أثناء مرحلة المراهقة المرهقة – لهم ولنا – هي معقدة للغاية في كمها الهائل من التدفقات الهرمونية، والتطورات الجسدية المتلاحقة لأعضاء حساسة وغريزية بطبيعتها، تكون لصيقة الصلة باجتياح عواطف فطرية متداخلة تجاه الجنس الآخر، مما يترتب عليه تولد ميول لا إرادية لإثبات جدارة وجاذبية شخصية المراهق، بعد تحوله فجأة من مرحلة الطفولة إلى البلوغ.
وعليه فإنهم يراقبون بدقة ردود فعل المحيطين بهم، ومدى تقبلهم لذاتهم المستقلة، واستحسان تصرفاتهم أو نبذها، وهو حقًا صراع داخلي صعب ينخرط فيه كل مراهق،، لذا يجب أن يكون الاحتواء والتوجيه حاضر وبقوة من الأهل لتخطي تلك المرحلة بثبات ونجاح.
والأم الواعية الراقية هي من تُنصب نفسها الطبيبة النفسية والصديقة الوفية لابنتها، بتوظيف خبراتها المتراكمة في الإجابة عن بعض الأسئلة الهامة، قبل أن يطرحها عليها جسدها الصغير، أو تُمليها عواطفها المستثارة فطريًا،
وتقديم الدعم المطلوب في وقته، بخصوص اقتراب الدورة الشهرية من طفلتها الشابة، وكيفية اعتنائها بنفسها وتعرفها على وظائف أعضائها المرتبطة بجنسها وأنوثتها.
وفي رأيي أن التشريح النفسي للعواطف الأنثوية تجاه الجنس الآخر، هو أمر بالغ الأهمية خلال تلك المرحلة الدقيقة من أعمارهن – وكيفية استقبال مشاعرهن وتحليلها وضبطها وتحييدها، وما يجب عليهن فعله في المواقف المختلفة، سواء بشكل مباشر او غير مباشر، ضد أي تهديد لقيمهن وثوابتهن التي تربين عليها في بيت آبائهن، وما هي الأدوات المتاحة لإحداث هذا التوازن المطلوب بين متطلبات ورغبات الجسد، وقوة وإرادة النفس المهذبة والمؤمنة.
وبكل تأكيد يجب أن يكون الصيام وغض البصر للجنسين وستر العورات، وتقليل الاحتكاك قدر المستطاع، هو على رأس تلك الأهداف المرصودة للوصول لقمة العفة والستر،، وإذا كانت أدوات الإثارة الضارة – مثل مواقع التواصل والتكنولوجيات الاتصالية الحديثة أمر لا مفر منه، فإنه من المهم بمكان التوجيه بأهمية التثقيف الجيد فيما يخص الاستفادة المثلى من تفعيل بعض مفاتيح وأوامر حجب الضرر المتاحة بتلك التطبيقات أثناء استخدامها – بل والإشمئزاز وإبداء الرفض الداخلي لكل ما يتنافى مع عاداتنا ومبادئنا، بإرادة حرة، تكون مكافئة ومضادة لإرادة أعداء الوطن ممن يتفننون في إغراقنا وطمس هويتنا.
اقرأ أيضا:
-
أحمد عاطف آدم يكتب: شفرة المراهقة بين الاجتياح والاحتواء (١١)
-
أحمد عاطف آدم يكتب: شفرة المراهقة بين الاجتياح والاحتواء (١٠)





