الدروز في سوريا: أقلية دينية غامضة بين سرية العقيدة وتعقيدات الصراع
بين الجبل والسياسة.. هوية متأرجحة في مشهد سوري مضطرب
كتب: على طه
الدروز، أو كما يسمون أنفسهم “الموحدون”، هم طائفة دينية توحيدية تنتمي عرقيًا وثقافيًا إلى المكون العربي، لكنهم يتميزون بمذهب ديني خاص له سماته الفريدة، وتعاليمه الباطنية، التي تطورت من رحم المذهب الإسماعيلي الشيعي في ظل الدولة الفاطمية خلال القرن العاشر الميلادي.
وتعتبر الطائفة الدرزية اليوم واحدة من أكثر الطوائف إثارةً للجدل والفضول، ليس فقط بسبب سرية معتقداتها، بل أيضًا بسبب موقعها الدقيق في خارطة الصراع السوري المعقد.
أصول العقيدة الدرزية
المذهب الدرزي ليس مذهبًا مفتوحًا أو تبشيريًا، بل هو منظومة عقائدية مغلقة، لا يُسمح بالدخول إليها أو الخروج منها.
تستند هذه العقيدة إلى كتاب “رسائل الحكمة”، الذي يُعد المرجع الأساسي لفهم الفلسفة الدينية للدروز، ويتضمن تفسيرًا باطنيًا للقرآن الكريم، ولا يُتاح إلا لطبقة “العُقّال” (رجال الدين الدروز) بعد سن الأربعين.
العقيدة تقوم على وحدة الله المطلقة، وتجمع بين تعاليم إسلامية (خاصة إسماعيلية)، ومؤثرات فلسفية من الغنوصية، والأفلاطونية، والفيثاغورية، والمسيحية، والهندوسية، والزرادشتية.
من المعتقدات الأساسية لدى الدروز الإيمان بتناسخ الأرواح، أي انتقال الروح من جسد إلى آخر بعد الوفاة، في دورة مستمرة لا تنتهي، حيث يرى أتباع هذا المذهب أن الروح لا تفنى، ولا يمكن أن توجد بمعزل عن الجسد.
ويُعرف عن الدروز تقليد “التقيّة”، أي إخفاء معتقداتهم لحماية أنفسهم في المجتمعات التي تحيط بهم، وهو ما جعل كثيرًا من تفاصيل مذهبهم غامضة حتى اليوم، وأثار أسئلة حول طبيعتهم الدينية وانتمائهم العقائدي في الفضاءين الإسلامي والوطني.
تمركز جغرافي ودور اجتماعي مركزي
يشكّل الدروز نحو 3.2% من سكان سوريا، أي ما يقارب 700 ألف نسمة، ويتمركزون بشكل رئيسي في محافظة السويداء جنوب البلاد، والمعروفة أيضًا بـ”جبل العرب” أو “جبل الدروز”.
كما توجد تجمعات درزية في مناطق محيطة بدمشق مثل جرمانا وصحنايا، وأيضًا في جبل السماق بمحافظة إدلب شمالًا.
وقد ارتبطت الهوية الدرزية، في سوريا تحديدًا، بجبل السويداء الذي مثل عبر التاريخ معقلًا للطائفة، وموطنًا لحركات مقاومة كبرى في فترات مختلفة، لا سيما في وجه الاحتلال الفرنسي خلال ثورة سلطان باشا الأطرش، أحد رموز الاستقلال الوطني السوري.

الدروز والصراع السوري
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، وجدت الطائفة الدرزية نفسها أمام خيار صعب: الانخراط في صراع لا يشبهها، أو الحفاظ على مسافة آمنة وسط فوضى السياسة والسلاح.
وقد انقسم الموقف الدرزي إزاء النظام السوري، بين من أعلن ولاءه لبشار الأسد، مدفوعًا بالخوف من الجماعات المتشددة أو حفاظًا على المصالح المحلية، وبين من آثر الحياد أو رفض الخدمة العسكرية.
ونقل موقع BBC عربي أن عددًا من شباب السويداء رفضوا الالتحاق بصفوف الجيش السوري أو الميليشيات الموالية، ما أدى إلى توترات مع السلطة، رغم محاولات التهدئة من مشايخ عقل الطائفة.
أما من الناحية السياسية، فقد لعب بعض زعماء الدروز دورًا بارزًا في الوساطة، دون انحياز حاسم لطرف، حفاظًا على وحدة الجبل وأمنه. ومع ذلك، فإن بعض الأصوات داخل الطائفة طالبت بمزيد من الاستقلالية عن النظام، خاصة بعد تصاعد الأزمات الأمنية والاقتصادية في الجنوب السوري.
حادثة مرهج شاهين: إهانة تهز كيان الجبل
في مشهد مؤلم يعكس هشاشة العلاقة بين السلطة السورية وبعض أبناء الطائفة الدرزية، تداولت وسائل إعلام مقطعًا يُظهر إقدام مجموعة تابعة للنظام السوري على حلق شارب الشيخ مرهج شاهين، أحد كبار وجهاء السويداء، بطريقة مهينة.

الشيخ شاهين، الذي تجاوز الثمانين من عمره، فارق الحياة بعد الحادثة بأيام، نتيجة صدمة نفسية حادة، بحسب ما أفادت به مصادر مقربة لعائلة الشيخ.
وقد أثارت الحادثة غضبًا واسعًا داخل السويداء، واعتُبرت إهانة للكرامة الدرزية ولشيوخ العقل، وضربًا مباشرًا لما تبقى من ثقة بين السلطة والطائفة.
دروز الجولان وإسرائيل
يمثّل دروز الجولان السوري المحتل حالة فريدة في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
وهناك نحو 23 ألف درزي يعيشون في قرى الجولان التي ضمتها إسرائيل بعد احتلالها عام 1967، الغالبية الساحقة من هؤلاء يرفضون حمل الجنسية الإسرائيلية، ويُظهرون تمسكًا بهويتهم السورية، رغم العيش تحت سلطة الاحتلال.
في المقابل، يقطن في إسرائيل نحو 150 ألف درزي من مناطق مختلفة، وقد اندمج جزء كبير منهم في مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش الإسرائيلي، في مشهد يُنظر إليه بقلق داخل الطائفة، خصوصًا من قبل دروز الجولان الذين يعتبرون ذلك خيانة لقضيتهم القومية.
حماية الهوية أم عزلة وجودية؟
الطائفة الدرزية، رغم صغر حجمها العددي، تمثل حالة فريدة في النسيج السوري، كونها استطاعت الحفاظ على خصوصيتها الدينية والاجتماعية لقرون، وسط محيط متغير سياسيًا وديموغرافيًا.
واليوم، تواجه هذه الطائفة تحديات حقيقية تتعلق بالهوية والانتماء، خاصة بعد أن أصبحت السويداء مركزًا لتحركات احتجاجية متكررة ضد الفساد وسوء الإدارة، وفي بعض الأحيان ضد سلطات النظام ذاته.
السؤال الأهم هو: إلى أين تتجه الطائفة الدرزية في سوريا؟ هل تبقى في حالة الحياد التقليدي، أم تعيد تموضعها سياسيًا واجتماعيًا في ظل تحول المشهد السوري إلى واقع طويل الأمد من اللامركزية والانقسام الفعلي؟
في قلب الأسئلة الكبرى للهوية والسيادة
في بلد تتصارع فيه قوى محلية وإقليمية ودولية، تقف الطائفة الدرزية على مفترق طرق، بين الإرث الديني المغلق، والواقع السياسي المنفتح على الفوضى.
ومثلما كانوا تاريخيًا عنصر توازن ومقاومة، يبقى مصير الدروز في سوريا مرهونًا بقدرتهم على التوفيق بين خصوصية عقيدتهم ومتطلبات البقاء في وطن مأزوم يتغير بسرعة.





