د. محمد الجوهري يكتب: “فيصل”.. من شارع التنزه إلى شارع القمامة: من المسؤول؟

بيان

ذات يوم، كان شارع “فيصل” بمحافظة الجيزة يمثّل للعديد من أبناء القاهرة الكبرى رمزيةً خاصة، وُصف بأنه شارع النزهة والمحالّ المكتظّة، وممشى العائلات، ومقصد من يبحث عن الحياة وسط الزحام.

واليوم، مررتُ صدفةً في زيارة لأحد الأصدقاء إلى هذا الشارع الذي يحمل ذكريات جميلة، لأصطدم بواقع مشوَّه… قمامة متراكمة، ورائحة خانقة، ومنظر لا يليق لا بالمكان ولا بالناس.

ولكن من المسؤول؟ وهل هي كالمعتاد “الحكومة”؟ أم أن هناك وجهًا آخر للحقيقة…؟

شارع فيصل بين الأمس واليوم

قبل سنوات، كان التجوّل في شارع فيصل يعني المرور على مقاهٍ شعبية ممتدة، ومكتبات عريقة، ومحالّ أنيقة، وروح المدينة المصرية الأصيلة. أما اليوم، فالقمامة تملأ الأرصفة، وأكوام المخلفات البلاستيكية والكرتونية متناثرة بين السيارات، فيما يتنقّل النبّاشون من كيس إلى آخر، يفتّشون عن عبوة بلاستيك أو قطعة معدن أو علبة تونة فارغة.

إنّ المشهد مؤلم… ومثير للغضب أيضًا.

النبّاشون.. الضحية والجلاد؟

من المعروف أن النبّاشين – أو ما يُطلق عليهم «جامعو القمامة» – أصبحوا جزءًا من المنظومة غير الرسمية لإدارة المخلفات في مصر. لكنهم، ومع غياب التنظيم والرقابة، يحوّلون الشوارع إلى ساحات فرز مفتوحة. يقومون بفتح الأكياس وتمزيقها في منتصف الطريق، ويتركون خلفهم خليطًا من القاذورات وبقايا الطعام والمخلفات العضوية في الهواء الطلق، ما يتسبّب في انتشار الحشرات والروائح الكريهة، ويشوّه وجه الحيّ.

صحيح أن كثيرين منهم يعملون من أجل لقمة العيش، لكن الطريقة التي يمارس بها البعض منهم هذا “الفرز العشوائي” تسبّب أذًى بيئيًا وصحيًا حقيقيًا.

هل الحكومة بريئة؟

قد يكون مفاجئًا أن نقول: اللوم هذه المرّة لا يقع على الحكومة وحدها. هناك جهود تُبذل بالفعل من بعض الجهات، سواء من خلال مبادرات جمع المخلفات، أو توفير الصناديق، أو تكليف شركات نظافة، لكن المشكلة الأعمق تكمن في السلوك الفردي للمواطنين، وتهاون بعض القائمين على عملية فرز القمامة من النبّاشين والعاملين في المنظومة غير الرسمية.

حين يُلقي المواطن القمامة على الأرض، أو يرفض فرزها من المصدر، أو يغضّ الطرف عن مشهد ملوّث أمام بيته… يصبح جزءًا من المشكلة.
المشكلة فينا لا في الحكومة فقط

إذا كان شارع فيصل اليوم صورة مشوّهة لماضٍ جميل، فالمسؤولية تقع على عاتق المواطن أولًا. السلوكيات الفردية الخاطئة – من الإلقاء العشوائي للقمامة، إلى صمت السكّان عن فوضى النبّاشين – كلّها عوامل ساهمت فيما آل إليه الوضع.

وفي الوقت نفسه، لا بد من تقنين عمل النبّاشين. لماذا لا تتحوّل تلك المهنة إلى كيان منظم يخضع لرقابة بيئية وصحية؟ لماذا لا ندرّبهم ونمنحهم زيًا واشتراكًا في منظومة نظافة رسمية بدلًا من تركهم يعبثون في القمامة دون رادع؟
الحل يبدأ من هنا:

حملات توعية مجتمعية للسكان حول أهمية النظافة العامة ودور كل فرد فيها.

تقنين نشاط جامعي القمامة وإدماجهم في منظومة نظافة رسمية.

فرض غرامات حقيقية على من يفتح أكياس القمامة أو يبعثرها في الطرقات.

تشجيع ثقافة الفرز من المصدر، كأن تُقسّم القمامة في المنزل إلى عضوية وبلاستيكية.

مشاركة المجتمع المدني في تنظيم حملات أسبوعية لنظافة الشوارع.

ليس مجرد شارع

ما يحدث في شارع فيصل ليس سوى مرآة لواقع أوسع: غياب الوعي المجتمعي، وافتقاد التنظيم، واستسهال الفوضى. إذا أردنا أن تعود شوارعنا إلى سابق عهدها، فعلينا أن نعترف: الحكومة وحدها لا تستطيع أن تنظف مدينة، ما دام شعبها لا يحترم الشارع.

فليبدأ كلٌّ منّا من أمام بيته. فربما حينها… يعود شارع الملك فيصل كما كان.

طالع المزيد:

أزمة صحفية داخل “جويش كرونيكل” بسبب تقارير عن غزة تؤدي لاستقالات وحذف مقالات

زر الذهاب إلى الأعلى