د. مدحت حماد: أنا والجمهورية الإسلامية الإيرانية (2) سنة ثانية جامعة والطريق إلى “ليسانس الآداب الممتازة”

بيان

8

دخلت قاعة (32)، الدور الأول بكلية الآداب جامعة عين شمس، وأخذت أستمع إلى الأستاذ الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن  – الذي لم أكن أعرفه – وهو يكلمنا عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال كتابه: “مسألة الثورة الإسلامية في إيران”.

طبعًا كان قد مضى شهران من الدراسة، وبالتالي لم أتمكن من فهم ما يقوله بالشكل الذي كان يجب، وكان هذا هو حالي مع جميع المقررات الدراسية العشر الأخرى، بما فيها مقررات الترجمة، فنون وأوزان الشعر الفارسي، الأساليب الفارسية الحديثة، الشعر والنثر الفارسي بعد الإسلام منذ نشأته وحتى نهاية الدولة السلجوقية، يعني حتى سقوط الخلافة العباسية في بغداد 656ه.

كان التحدي والإرادة، هما جميع ما أملك لكي أتمكن من تحقيق أولى أهدافي، أي التفوق في الليسانس، فقد كان لزامًا عليَّ _بل كان أمرًا حتميًا_ أن أحصل على تقدير “جيد جدًا” على الأقل، لأنني اكتشفت أن هذا التقدير سيمنحني ميزتين ونتيجة لابد منها.

الميزة الأولى: “مكافأة التفوق”

أنني سأحصل على “مكافأة التفوق”، وقدرها 85 جنيهاً، وهو ما سيجعلني طالبًا ثريًا بين الطلاب. (ههههه) ذلك لأن هذه المكافأة، ستجعلني أشتري الكتب الدراسية كاملة (سعر الكتاب خمس جنيهات)، وسأقوم بسداد المصروفات الدراسية (خمس جنيهات إلا ربع) – دون أن آخذ من والدي هذه الأموال – بل وسيتبقى لي بعد ذلك 25 جنيها وهو ما سيجعلني أعيش بهذا المبلغ، بجانب مصروفي من والدي، زي الباشا!!

(مرتب أستاذ الجامعة آنذاك، أقول الأستاذ الدكتور، كان يبلغ بحسب ما علمتُ من أساتذتي بعد ذلك حوالي 35-40 جنيهاً).

الميزة الثانية: “التمتع بنظام الليسانس الممتازة”

أنه بهذا التفوَّق سيكون من حقي أن “أتمتع بنظام الليسانس الممتازة”. أي سيكون بمقدوري دراسة “نصف مقررات السنة التمهيدية للماجستير في سنة ثالثة جامعة”.

وإذا استمر تفوقي بجيد جدًا على الأقل في سنة ثالثة جامعة، ونجحت في مقررات السنة التمهيدية للماجستير، سيكون من حقي دراسة “النصف الثاني من مقررات السنة التمهيدية للماجستير” في سنة رابعة.

وإذا ما استمر تفوقي في سنة رابعة بجيد جدًا على الأقل، مع نجاحي في مقررات السنة التمهيدية للماجستير، سأحصل على “ليسانس الآداب الممتازة”، وهو ما سيوفِّر لي التسجيل بالسنة التمهيدية للماجستير.

وبالتالي، سيكون من حقي تسجيل الماجستير، بمجرد حصولي على شهادة الليسانس، وهو ما تحقق فعليًا بفضل الله. حيث حصلت على الليسانس في يونيو 1986م وقمت بتسجيل الماجستير في سبتمبر 1986 أي عندما كان عمري 22 عاماً وثلاثة أشهر، وبالتالي دخلت الجيش كجندي وأنا مقيَّد في درجة الماجستير.

أمَّا النتيجة: “التفوَّق سيفتح لي قلوب وعقول أساتذتي“

النتيجة التي أدركتُها، وأنه لابد لي من تحقيقها، هي أن التفوَّق سيفتح لي قلوب وعقول أساتذتي، وبالتالي ستكون لي عندهم وبينهم مكانة ومعاملة خاصة، جوهرها “التطبيق الفعلي العملي” لدور أستاذ الجامعة، في اكتشاف ورعاية وتنمية “الكوادر الطلابية المتفوقة وأصحاب المواهب في مختلف المجالات” وهذا الأمر نفسه، سيأخذني فعليًا وحرفيًا إلى رحاب البحث العلمي، وبالتالي مجال العلوم السياسية الذي أعشقه وأتمناه وأسعى إليه.

وهذا ما تحقق فعليًا، حيث قام جميع أساتذتي بإحتضاني، ورعايتي رعاية خاصة، بل وتحميلي بمهام وتكليفات بحثية إضافية طوال مرحلة الليسانس، ما ساهم بقوة في ثقل معرفتي وتحصيلي في جميع المقررات الدراسية، حتى أن أحد أساتذتي، وهو المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد الخولي، كان يأتي لي ببعض الكتب والمراجع العلمية المكتوبة باللغة الفارسية من مكتبته الخاصة، دعمًا وتشجيعًا لي.

كتاب “مسألة الثورة الإسلامية في إيران”

طوال سنة ثانية جامعة، كان كتاب “مسألة الثورة الإسلامية في إيران” _وبالتالي “محاضرات الأستاذ الدكتور “محمد السعيد عبد المؤمن”_ بمثابة “البوابة” أو “القاطرة” التي قادتني إلى العلوم السياسية.

ذلك أن ما كان يحدثنا به أستاذنا الجليل داخل المحاضرة، كنت أظل أسير خلفه في صفحات جريدة الأهرام وأخبار اليوم والجمهورية وكذلك صحيفة الوفد، وهي الصحف التي كنتُ مواظبًا على قراءتها يوميًا وأنا داخل أتوبيس الطلبة أو أتوبيس النقل العام، في طريقي للجامعة ذهابًا وعودة.

كنت “كمن يُنقِّب عن الأثار”، وذلك كلما استمعتُ إلى أستاذي الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن أو كلما قرأتُ خبرًا أو مقالة أو تحقيقًا صحفيًا عن الحرب العراقية الإيرانية. لكني ظللت مفتقدًا للخيط الرابط بين محاضرات أستاذي الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن وبين ما كان يُنشر في الصحف

(جميع الصحف المصرية اليومية الخاصة بالفترة الزمنية الخاصة بالحرب العراقية الإيرانية لازالت عندي كاملة، مؤرشفة ومُجلدة).

أ.د. محمد السعيد عبد المؤمن

لقد كنتُ أقول لنفسي: “هناك لغز ما، حلقة ما مفقودة” وهو ما جعلني غير قادر على: استيعاب جميع ما كان يقوله أستاذي الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن، وفَهم وتفسير جميع ما أقرأه كل يوم في الصحف التي أقرأها .

على أية حال، انتهت سنة ثانية جامعة بجيد جدًا، وترسَّخ في ذهني “قرار ما”، كنتُ أتوقعه، وهو أن “أقوم بقراءة كتاب مسألة الثورة الإسلامية في إيران” من جديد في الاجازة الصيفية، ليس لأنه مقرر دراسي، بل بوصفه “كتاب فكري ثقافي معرفي”.

كذلك ضرورة استرجاع جميع الملاحظات والشروحات التي كنتُ أقوم بتدوينها حين كان “يفيض علينا بها” أستاذي الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن داخل المحاضرات، وعمل ربط بينها وبين “بعض المقالات التي كنتُ أختارها من الصحف” حول الجمهورية الإسلامية الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية، وكان في مقدمة وعلى رأس الموضوعات التي حددتها لنفسي:

1- موضوع “ولاية الفقيه”.
2- هي إيه “حكاية الشيعة؟”.
3- لغز “الحرب العراقية الإيرانية”.
4- سنة ثالثة جامعة وبداية “فك ومعرفة شفرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

بدأ العام الثالث الجامعي 1984-1985م، الذي بالنسبة لي سيكون عامًا مميزًا، لأنني سوف أدرس فيه نصف مواد السنة التمهيدية للماجستير.

هكذا كنت أحدِّث نفسي وهكذا كنت أستشعر المستقبل.لكن شيء ما آخر كان قادمًا في الطريق، ولم أكن قد ألتفت إليه، ألا وهو أننا سوف ندرس في “سنة ثالثة جامعة”، المقررات الدراسية التالية:

1- تاريخ وحضارة إيران في العصر الصفوي.
2- الفِرَق والمذاهب الإسلامية.
3- الفلسفة الإسلامية في إيران.

أ.د. أحمد الخولي
أ.د. محمد السعيد جمال الدين

هذه المقررات الدراسية “تكاد تكون من المحرمات” في التخصصات العلمية الخاصة بإيران في الكثير من الدول العربية خاصة “الدول الخليجية”، وإن حدث وتم تدريسها، يتم بقدرٍ محدود، وذلك بالرغم من أن هذه المقررات الثلاث “بجانب مقرر التصوف والعرفان الإيراني”، تشكِّل جميعها، لِمَن يعرفها ويفهمها فهمًا صحيحًا علميًا غير منحاز أو متطرف أو مُعادي، ثاني “أهم مفاتيح فهم ومعرفة الشخصية الإيرانية”.

الأستاذ الدكتور أحمد الخولي، والأستاذ الدكتور محمد السعيد جمال الدين، هما اللذان سيدرسان لنا مادة “تاريخ وحضارة إيران في العصر الصفوي”، ومادة “الفِرَق والمذاهب الإسلامية”بالترتيب، أما مادة “الفلسفة الإسلامية في إيران”، فسيعطيها لنا دكتور من “قسم الفلسفة” الكلية، للأسف الشديد لا أتذكَّر اسمه، هكذا كان يتردد اسم هذين الأتاذين الجليلين في أروقة قسم اللغات الشرقية.

طوال “سنة ثالثة جامعة” _أي طوال سبعة أشهر_ ظللنا ندرس مادة “تاريخ وحضارة إيران في العصر الصفوي”، ومادة “الفِرَق والمذاهب الإسلامية”.

ولأنَّ الأستاذين الأستاذ الدكتور أحمد الخولي، والأستاذ الدكتور محمد السعيد جمال الدين، كانا من الأساتذة الرواد المتخصصين في هذه “التخصصات العلمية النوعية” التي تبدو الأكثر أهمية من بين جميع المقررات الدراسية الأخرى بما فيها مقررات “الترجمة من الفارسية إلى العربية والعكس”، لا لشيء سوى أنها كما سبق وأن قلت تعتبر “ثاني أهم مفاتيح فهم ومعرفة الشخصية الإيرانية“.

أعود فأقول، لأنهما كانا من الأساتذة الرواد المتخصصين، الممسكين بقوة على هذه الموضوعات والقضايا التاريخية الفكرية الشائكة، أخذتُ أدرك وأفهم “طبيعة وماهيِّة وكينونة اللغة ومن ثم التخصص وبالتالي الدولة والتاريخ والفكر والثقافة والحضارة أي الحضارة الإيرانية، التي تشكِّل واحدة من أقدم “مثلث الحضارات البشرية” وأعني بذلك: الحضارات المصرية، الإيرانية (الفارسية) واليونانية.

كتاب “أبناء الرسول في كربلاء”

كذلك قادتني “مادة الفِرَق والمذاهب الإسلامية”، إلى أن أتذكّر كتاب: “أبناء الرسول في كربلاء”_الذي كنتُ قد اشتريته صدفة_ وأنا في الصف الثالث الثانوي من مكتبة دار المعارف المصرية.

صاحب هذا الكتاب هو المفكِّر الإسلامي العظيم الراحل “خالد محمد خالد”. كان إخراج غلاف الكتاب ملفتًا بشكل واضح، سواء من حيث “الإسم”، أو من حيث “الألوان”. إذ خَرَجَ الغلاف في “لون أحمر”، أي لون “الدم”.

لقد اشتريت الكتاب، فقط بسبب “عنوانه، ولون غلافه”، فلقد ظننتُ أن المقصود بـ “الرسول” هو “الرسول بوليس، أو يوحنا المعمدان!!”.

ولهذا سألت نفسي: ما علاقة “خالد محمد خالد” بالرسل المسيحيين!! لكني بعد عودتي البيت، ومع بداية قراءة أولى صفحات الكتاب، اكتشفت الحقيقة. وهي أن المقصود هو “أبناء رسولنا الكريم محمد في كربلاء، أي الحسين وآل بيت النبوة”.

ما حدث أنني قرأت الكتاب مرتين خلال أسبوع، لروعة أسلوبه، وفداحة الأحداث. وكأن الله عزَّ وجل، كان يهيئني لشيء لم أكن أعرفه، لكنه سيأتي في الطريق.

من هنا بدأت أفهم بعض أسرار “الحرب العراقية الإيرانية”، ومن هنا بدأت أفهم وأدرك بشكل مبدئي: “ماذا يعني مصطلح: الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

لقد نجح وتمكن “الأستاذان العالِمَان الجليلان” _الأستاذ الدكتور أحمد الخولي، والأستاذ الدكتور محمد السعيد جمال الدين، في تفهيمنا وتعريفنا بكيفية “فك طلاسم” الشخصية الإيرانية من خلال “نشأة وتاريخ وحضارة الدولة الصفوية في إيران”، وكذلك “الفِرَق والمذاهب الإسلامية”.

من هنا بدأت أفهم وأدرك _عبر الاستنتاج والاستنباط تارة، والتخمين تارة أخرى_ تصورًا أوليًا صحيحًا للكائن السياسي الذي كان قد شقَّ طريقه في عالم ما بعد حرب أكتوبر 1973م، والذي اختار لنفسه “كينونة وماهيِّة مختلفة ومنفردة ومتفردة” في العالم بأسره، ألا وهو: “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

أهم الروابط

1- (رابط كتاب الأستاذ الدكتور أحمد الخولي: الدولة الصفوية تاريخها السياسي والاجتماعي وعلاقتها بالعثمانيين، القاهرة ۱۹۸۱م. بيروت).
https://awkafonline.gov.eg/content-sections/98/7168/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D9%88%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9

2-(رابط كتاب أبناء الرسول في كربلاء)

https://foulabook.com/ar/book/%D8%A3%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%88%D9%84-%D9%81%D9%89-%D9%83%D8%B1%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%A1-pdf

طالع المزيد:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى