د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: لماذا يلجأ بعض المرضى إلى “ChatGPT” ؟

بيان

الذكاء الاصطناعي ليس طبيبًا، ولا ينبغي الاعتماد عليه في التشخيص أو وصف العلاج أو اتخاذ القرارات الطبية الحساسة. لكنه قد يكون أداة مساعدة لفهم المعلومات الصحية، وشرح نتائج الفحوصات، وتحويل النصائح الطبية العامة إلى خطوات عملية يمكن تطبيقها في الحياة اليومية.
في مقال لافت، تروي الدكتورة هيلين أويانك، الأستاذ المساعد بجامعة كولومبيا الأميركية، تجربة شخصية جعلتها تنظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاوية مختلفة.
بدأت القصة عندما أظهرت فحوصات دم روتينية ارتفاعًا تدريجيًا في بعض المؤشرات الصحية. لم تكن الأرقام مقلقة، لكنها كانت تتحرك ببطء في الاتجاه الخطأ. وعندما سألت طبيبتها عن السبب، تلقت النصيحة التقليدية: “اتبعي نظامًا غذائيًا صحيًا ومارسي الرياضة”.
علميًا، كانت النصيحة صحيحة. لكن المشكلة أن المريض لا يحتاج دائمًا إلى نصيحة صحيحة فقط، بل يحتاج إلى معرفة كيف يطبقها في ظروفه الخاصة.
لذلك لجأت إلى ChatGPT.
المفاجأة لم تكن في المعلومات الطبية، بل في طريقة التفاعل. فقد بدأ بطرح أسئلة متتالية عن نمط حياتها، وعاداتها الغذائية، ومستوى نشاطها البدني، ثم قدم اقتراحات صغيرة وقابلة للتنفيذ. فبدلًا من الحديث العام عن الرياضة، اقترح المشي لبضع دقائق بعد الوجبات، وهي عادة أثبتت دراسات عديدة أنها تساعد في تحسين استجابة الجسم للسكر وتقليل ارتفاعاته بعد الأكل.
كما استطاعت أن تطرح أسئلة قد يتردد كثير من المرضى في طرحها داخل العيادة. وعندما سألت عن تأثير أحد المنتجات التي تتناولها على مستوى السكر في الدم، طلب تفاصيل المنتج أولًا قبل أن يجيب، تمامًا كما يفعل الطبيب عند جمع المعلومات قبل إبداء الرأي.
وتقول الكاتبة إن أكثر ما أثار انتباهها لم يكن المعرفة الطبية، بل الصبر. فالتطبيق لا يشعر بالضيق من تكرار الأسئلة، ولا ينفد وقته، ولا يضطر لإنهاء المقابلة بعد دقائق معدودة.
ومن هنا توصلت إلى استنتاج مهم: نجاح أدوات الذكاء الاصطناعي مع بعض المرضى لا يعود فقط إلى قدرتها على تقديم المعلومات، بل إلى قدرتها على توفير ما يفتقده كثيرون داخل الأنظمة الصحية المزدحمة؛ الوقت الكافي للاستماع والشرح والمتابعة.
وتؤكد في ختام مقالها أن الطبيب سيظل حجر الأساس في التشخيص والعلاج، لكن المرضى يبحثون أحيانًا عن شيء آخر لا يقل أهمية: أن يفهموا ما يحدث لأجسادهم، وأن يجدوا من يجيب عن أسئلتهم، وأن يشعروا بأن هناك من يستمع اليهم. وأن نجاح ChatGPT مع بعض المرضى لا يعود فقط إلى قدرته على تقديم المعلومات، بل إلى قدرته على توفير ما يفتقده كثيرون أحيانًا داخل الأنظمة الصحية المزدحمة: الوقت الكافي للشرح والاستماع والإجابة عن الأسئلة المتكررة. وتقول الكاتبة إن نجاح ChatGPT مع بعض المرضى لا يكشف فقط عن تطور الذكاء الاصطناعي، بل يكشف أيضًا عن مشكلة في أنظمة الرعاية الصحية الحديثة: الأطباء غالبًا لا يملكون الوقت الكافي لتقديم القدر من المتابعة والإنصات الذي يحتاجه المرضى. ولهذا فإن كثيرًا من المرضى لا يذهبون إلى ChatGPT بحثًا عن بديل للطبيب، بل بحثًا عما يفتقدونه أحيانًا في التجربة الطبية نفسها: الوقت، والشرح، والإنصات، والطمأنينة.

طالع المزيد:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى