د. مدحت حماد: أنا والجمهورية الإسلامية الإيرانية (1)
بيان
كلية الآداب جامعة عين شمس، الاختيار الاستراتيجي البديل لكلية السياسة والاقتصاد
عندما التحقت بكلية الآداب جامعة عين شمس في سبتمبر 1982، لم أكن أعرف شيئًا عن تخصص “اللغات الشرقية وآدابها”. فقد دخلت كلية الآداب كبديل عن كلية السياسة والاقتصاد، أو كلية الإعلام، وهما الكليتان اللتان كنت أسعى للدراسة في أي منهما.
كان متاحًا لي كليات العلوم، التجارة، التربية والحقوق، بجانب كلية الآداب.
شقيق أحد أصدقاء المرحلة الثانوية، كان قد حدثني عن كلية الآداب وأقسامها العلمية، ولفت نظري وجود قسمين لم أكن أعرف عنهما أي شيئ، الأول “قسم الدراسات اليونانية واللاتينية”، والثاني “قسم اللغات الشرقية وآدابها”، ووجدته يحدثني عن “قسم اللغات الشرقية وآدابها” بكثير من الإعجاب، وأنه كم أصبح يتمنى لو عاد به الزمن ليختار الدراسة في هذا القسم، بدلًا من “قسم الدراسات اليونانية واللاتينية” فقد كان في السنة الثالثة.
طبعًا الكلام كان يخص كلية الآداب جامعة عين شمس.
كان من نتيجة كلامه، أنني في اليوم التالي مباشرة ذهبت إلى الكلية ذاتها، كي أفهم ما هي قصة “قسم اللغات الشرقية وآدابها”، فقد قررت بالفعل أن تكون كلية الآداب جامعة عين شمس رغبتي الأولى التي ستسبق كلية العلوم، وكلية التربية، وكلية التجارة، وكلية الحقوق، على الترتيب. السبب في ذلك أنني كنتُ شعبة رياضيات، وجميع هذه الكليات متاحة لي، خاصة أن مجموعي كان يعطيني الفرصة المُطلقة في الإختيار، فقد كنتُ ضمن الشريحة الأولى من طلاب المرحلة الثانية من تنسيق الجامعات.
“عم قرني ودليل كلية الآداب”
ذهبت إلى كلية الآداب، دخلت حرم الكلية، كان يبدو عليَّ أنني لستُ طالبًا، وأنني غريب، استوقفني أحد العمال عَلمتُ اسمه بعد ذلك وهو “عم قرني”، سألني: أنت عاوز حاجة يا إبني؟ شرحت له الموقف، فأخذني إلى إدارة شئون الطلاب، وهناك حكيت الحكاية لأحد الموظفين، فقام على الفور وأعطاني دليل كلية الآداب فيه جميع التفاصيل والمعلومات التي أحتاجها وأريد معرفتها.
الدليل كان بجلدة بيضاء مقواة، ونصحني بقرائته جيدًا قبل أن أكتب الرغبات.
وعندما سألته عن “قسم اللغات الشرقية وآدابها” وجدته يقول: دا من أهم أقسام الكلية للطلاب المتميزين، اللي عاوزين يكونوا حاجة. فسألته لماذا؟ فقال: في هذا القسم، تدرس اللغات الفارسية، التركية والعبرية، في سنة أولى، ومن السنة الثانية تتخصص في لغة واحدة.
فسألته، وما هي هذه اللغات؟ انا أول مرَّة أسمع عنها!!!.
قال: اللغة الفارسية، هي لغة إيرن، يعني الحرب العراقية الإيرانية!! واللغة العبرية هي لغة إسرائيل “يعني حرب أكتوبر، والصراع العربي الإسرائيلي”!!، أما اللغة التركية، يعني “تركيا وحلف الناتو”!!.
ثم سألني: انت فهمت حاجة من كلامي؟ قلت له: “طبعًا. أن أصلاً كنت أريد أن أدخل كلية السياسة والاقتصاد.. بس المجموع، وأنا أصلاً أقرأ الجرايد من أولى إعدادي، وكمان عملت مكتبة في البيت عندي من الجرايد دي”.
إن شاء الله هكتبها الرغبة الأولى، وإن شاء الله هَدرِس لغات شرقية.
ضحك “عم قرني” وقال للموظف: شفت أنا بجيبلك طلاب مثقفين إزاي!! ثم سألني: إنت اسمك إيه:
قلت له: مدحت. قاللي إن شاء الله نقوللك يا دكتور مدحت في المستقبل.
ثم سألني: انت نويت على إيه يا مدحت؟.
فورًا رديت عليه وقلتله: آداب لغات شرقية.
ضحك الموظف، وقال لي: إنت واثق من نفسك أوي!.
قلت له: الحمد لله.. أنا حضرت هنا لكي أحسم قراري، أنا مجموعي كدا كدا هيدخلني آداب وآداب عين شمس كمان!! إن شاء الله هكتبها الرغبة الأولى، وإن شاء الله هدرس لغات شرقية.
بعد شهرين من هذه الأحداث، كانت الدراسة قد بدأت، وملأت استمارة الرغبات الخاصة بالتنسيق الداخلي، كانت رغباتي كالتالي: قسم اللغات الشرقية، قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، قسم علم النفس وقسم الجغرافيا. وبالفعل كتب واختار الله لي “قسم اللغات الشرقية وآدابها”.
سنة أولى جامعة 1982-1983م .. مرحلة جديدة تمامًا من عمري وحياتي
كان قراري “أنني سأتخصص فى اللغة العبرية”، طبعاً بسبب إسرائيل، وكمان كانت الدكاترة بيقولوا لنا: اللي هيتخصص عبري، هيشتغل في المخابرات!!! ههههههه طبعاً السبب في ذلك هو الترويج وتشجيع الطلاب لدخول شعبة اللغة العبرية!! وطبغًا اكتشف جميع الطلاب منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم وغدًا، عدم صحة هذا الكلام على الإطلاق.
في نفس التوقيت كانت أخبار وأحداث “الحرب العراقية الإيرانية” مشتعلة، وجميع الصحف التي أقوم بشرائها مملوؤة بأخبار هذه الحرب. لهذه الأسبباب، قلت لنفسي: إن شاء الله هتخصص في سنة ثانية، إما “لغة عبرية”، أو “لغة فارسية”، مفيش اختيار ثالث.
“إذاعة كول كاهير الموجهة باللغة العبرية”، كتاب العهد القديم “مكتبة المحبة” بشارع شبرا
في نهاية العام الدراسي، ظهرت النتيجة، وكانت تقديراتي في اللغات الثلاث هي: جيد جدًا لغة فارسية، جيد لغة عبرية، ومقبول لغة تركية.
بالرغم من هذا، عندما ذهبت لكي أملأ استمارة الرغبات الخاصة بالتشعيب، كان ترتيب رغباتي هي: لغة عبرية، لغة فارسية، لغة تركية. فقد كتبتها حسب ما كنت أريد وأرغب، خاصة أنني ظللتُ طوال الاجازة الصيفية أقوِّي نفسي في اللغة العبرية، وعملتُ بنصائح أستاذي “الدكتور سيد سليمان”، فبدأت أسمع “إذاعة كول كاهير الموجهة باللغة العبرية” كما ذهبتُ إلى “مكتبة المحبة” بشارع شبرا، لكي أشترى ”كتاب العهد القديم، والعهد الجديد” باللغة العبرية. وطوال الصيف، ظللتُ أعمل على تنمية قدراتي في اللغة العبرية، خاصة أن “النحو العبري” صعب مثل النحو العربي.
مع ذلك، ورغم كل هذا، ظهرت نتيجة التنسيق، ووجدت نفسي في شعبة “اللغة الفارسية”!! عملت تمرد على حضور محاضرات شعبة اللغة الفارسية، وظللت أحضر محاضرات اللعة العبرية، وفي نفس الوقت، ذهبت لإحضار “واسطة”!! كي ادخل شعبة عبري، فقد كانت زوج أخت “زوج خالتي”، الأستاذ كامل، هو موظف في مكتبة الكلية.
لكن جميع محاولاتي فشلت، وظللت هكذا حتى مطلع نوفمبر 1983م أي بعد مرور شهرين من التيرم الأول (آنذاك لم يكن هناك امتحانات تيرم أول وتيرم ثاني”، هي امتحانات وحيدة، في نهاية العام الدراسي في شهر مايو.
“نافورة كلية الآداب”: “أقسم بالله العظيم، اللي كنت هعمله بـ “شعبة عبري” إن شاء الله هحققه بـ “شعبة فارسي”.
ذات صباح أحد أيام شهر نوفمبر 1983، جلستُ مهمومًا عند “نافورة كلية الآداب”، فمستقبلي سيضيع. القسم وزعني “شعبة فارسي”، وأنا أريد “شعبة عبري”، بل وأحضر محاضرات عبري. يا رب، اهديني، يا رب إني حيران، يا رب مستقبلي هيضيع، يا رب ماذا أفعل؟.
فجأة خطر ببالي السؤال التالي: أنت عاوز تدخل شعبة عبري ليه يا مدحت؟ فأجبتُ على نفسي بالتالي: لأنني أحب السياسة، وأريد أن أشتغل في السياسة، وأريد أيضًا أن أخدم بلدي في السياسة، وشعبة عبري هتخليني أعمل كل دا. في هذه اللحظة قلت لنفسي: طيب مهي “شعبة فارسي” سياسة برضو!! دي الحرب مشتعلة بين العراق وإيران.
ثم أنطقني الله بالجملة التالية: “أقسم بالله العظيم، اللي كنت هعمله بـ “شعبة عبري” إن شاء الله هحققه بـ “شعبة فارسي”.
“الأستاذ الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن”: “فلسفة الثورة الإسلامية”.

لم تمضي دقائق معدودة، إلا وكنتُ داخل حجرة رقم “32” بالدور الأول بكلية الآداب جامعة عين شمس، لأحضر أول محاضرة لي في “شعبة اللغة الفارسية”، استأذنت من الدكتور ودخلت، _طبعاً بعد ما زمايلي قالوا للدكتور معلش يا دكتر، أصل مدحت كان بيحضر عبري، علشان كان نفسه في شعبة عبري، ضحك الدكتور وسمح لي بالدخول، وكانت أول محاضرة لي. الدكتور هو: “الأستاذ الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن”، والمحاضرة كانت أعمال السنة، والكتاب كان اسمه” “فلسفة الثورة الإسلامية”.
……………………………………………………………………………………………..
كاتب السردية: أستاذ اللغة الفارسية والدراسات الإيرانية.
كلية الآداب، جامعة طنطا.
كلية الدفاع الوطني.
رئيس مركز الفارابي للدراسات السياسية والتنموية.





