الصراع بين تايلاند وكمبوديا.. قصة خلاف حدودي قديم قد يتحول لصراع إقليمي
كتب – ياسين عبد العزيز
شهدت المناطق الحدودية بين تايلاند وكمبوديا تصعيدًا عسكريًا مفاجئًا تزامن مع تصاعد الاتهامات السياسية وغياب أي تحرك دولي جاد لاحتواء التوتر ، وتحوّل المشهد تدريجيًا من نزاع حدودي قديم إلى صراع مفتوح يهدد بإشعال منطقة جنوب شرق آسيا بأكملها ، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة فجرا في محيط مناطق التماس بعد أيام من انفجار لغم أرضي تسبب في إصابة خمسة جنود تايلانديين ، ما دفع الجيش التايلاندي إلى إعلان استمرار العمليات وتحذير السكان من الاقتراب من مناطق الاشتباك.
39 شهيدًا في غزة منذ الفجر بينهم 15 مدنيًا أثناء طلبهم المساعدات
ورغم محاولات سابقة لاحتواء النزاع بين البلدين منذ سنوات ، إلا أن الوضع الحالي تجاوز المناوشات المعتادة بعد أن سجلت التقارير مقتل 14 شخصًا معظمهم من المدنيين ، بينما بلغ عدد النازحين أكثر من 100 ألف شخص تركوا قراهم وممتلكاتهم وفروا إلى مناطق أكثر أمنًا ، وسط تصاعد غير مسبوق في الخطاب السياسي والإجراءات الدبلوماسية بين العاصمتين.
وردًا على الهجمات التي وصفتها بانكوك بالممنهجة ، نفذت القوات الجوية التايلاندية عدة غارات ضد أهداف كمبودية قالت إنها مواقع لإطلاق النيران ، في المقابل ردت كمبوديا باستخدام المدفعية الثقيلة ما أسفر عن إصابة عدد من المناطق السكنية بالقذائف ، ما زاد من تعقيد المشهد وتصاعد المخاوف من انزلاق البلدين إلى حرب مفتوحة.
وفي تطور متسارع ، أعلنت الحكومة التايلاندية سحب سفيرها من كمبوديا وطرد السفير الكمبودي من بانكوك ، بينما ردت بنوم بنه بخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية وسحب بعثتها كاملة ، وأعقب ذلك إغلاق المعابر الحدودية بين البلدين وتعليق حركة التجارة والسفر ، ما زاد من حالة القلق لدى المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الجانبين إلى ضبط النفس والعودة للحوار ، مؤكدًا عبر المتحدث الرسمي باسم المنظمة أن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى نتائج يصعب احتواؤها إقليميًا ، إلا أن عدم وجود مبادرة وساطة واضحة حتى الآن يترك الوضع مفتوحًا على كافة الاحتمالات ، بحسب محللين يرون أن غياب التدخل الدولي السريع يفاقم من هشاشة الوضع القائم.
وتعود جذور النزاع إلى العام 1907 حين قامت فرنسا برسم الحدود بين تايلاند وكمبوديا خلال احتلالها للمنطقة ، وأثارت تلك الخرائط خلافات دائمة حول ملكية بعض المناطق التاريخية وأبرزها معبد “بريا فيهير” الواقع على هضبة متنازع عليها ، وفي عام 2011 اندلعت مواجهات دامية بين البلدين في ذات الموقع أسفرت عن سقوط 20 قتيلًا ونزوح الآلاف.
وتصاعد التوتر مجددًا نهاية مايو الماضي بعد مقتل جندي كمبودي في منطقة المثلث الحدودي المشترك مع لاوس ، ثم تجددت الحوادث الميدانية في يوليو بانفجار ألغام أرضية أدت إلى إصابة جنود تايلانديين وإعاقات جسدية دائمة لبعضهم ، فيما فجرت تسريبات صوتية منسوبة لرئيسة الوزراء التايلاندية جدلًا سياسيًا حول أداء الجيش ودفعت الحكومة إلى تعليق مهامها.
ويخشى مراقبون من اتساع رقعة الاشتباكات وتحولها إلى نزاع أوسع في ظل هشاشة الوضع الإقليمي وتعدد بؤر التوتر في بحر الصين الجنوبي ، ما يزيد من حساسية الصراع الحالي ويحول الحدود التايلاندية الكمبودية إلى نقطة ساخنة مهددة بانفجار أكبر في حال غياب جهود التهدئة العاجلة.





