نهى سعيد تكتب: بريد إلهي مفتوح ثلاث أمهات تكتشفن رسائل السماء في رحلة الأمومة

بيان

في رحلة الأمومة، نركض جاهدين لنكون مثاليين.. نقرأ، نخطط، نتابع، نطبق، ونفرح حين تنجح خطواتنا. لكن في زحمة هذا الاجتهاد، قد تغيب عنا الحقيقة الأعمق: أن الاستعانة بالله في التربية أَولى من المعرفة، وأن التوكل عليه أقرب طريق للثبات وسط العواصف.
وأن كل أم تحمل في قلبها دفتر بريدٍ مفتوحٍ بينها وبين السماء… لا طوابع، ولا صناديق، فقط رسائل تأتي من الله في هيئة مواقف، أو تساؤلات، أو حتى صفعات توقِظ من غفلة، أو تبني من عمق الألم وعيًا جديدًا. المهم أن تحسن الإصغاء لتلك الرسائل وتستبقها بقلب منيب.

ومن هنا تبدأ حكاية ثلاث أمهات، وثلاث رسائل جاءت إليهن من السماء .

القصة الأولى لأم يوسف..
الساعة تقترب من الثانية ظهرًا. المطبخ يضج ببخار الطعام ورائحة الخضار المطهوة على البخار. تقف أم يوسف أمام الطاولة، توزع شرائح الجزر حول قطع الدجاج، وتتأكد أن الألوان متناسقة، كما قرأت في دليل تغذية الأطفال. تبتسم لنفسها وهي تهمس: “النهارده يوسف هيخلص الطبق للآخر.”

تدعوه لتناول الطعام، يجلس، يبدأ بالأكل، وهي تراقبه من بعيد. كل لقمة تملأها رضا. تشعر أنها على الطريق الصحيح. أنها أم ناجحة، تعرف جيدًا ما تفعله.
لكن بعد ساعات قليلة، يتكرر القيء. الذعر يزحف لقلبها.
فكانت أم يوسف كما تتمنى كل أم أن تكون: مجتهدةً، واعيةً، حريصةً.
تُطعم ابنَها في مواعيدَ دقيقةٍ، تُحضر له وجباتٍ متوازنةٍ كما نصح خبراءُ التغذية، وتهمس في نفسها بفخرٍ مكتوم: “أنا أم شاطرة.”
كلما أنهى ابنُها طبقه، شعرت أنها أدت رسالتها كما ينبغي.
لكن الفرحةَ لم تدم طويلًا…
فجأةً، بدأ الطفل يتقيأ بعد كل وجبةٍ تقريبًا.
أخذته من طبيب إلى آخر، تتنقل بقلق بين المستشفيات، تسمع ذات العبارة تتكرر: “ابنك سليم، لا يوجد أي سبب عضوى لحالته”.
وفي ليلةٍ أنهكها التعبُ، بكت بصدقٍ، ورفعت يديها إلى الله.
وفي لحظةِ صفاءٍ نادرةٍ، جاءها خاطرٌ كرسالةٍ من السماء:
“أنتِ تطعمينه، نعم… لكنك نسيتِ أن الله وحده هو من يجعل الطعامَ يصلح للجسد، ويضع فيه البركة.” كأنها أُيقظت من غفلةٍ.
كانت النيةُ تفتقر إلى التوكل الكامل على الرزاق. فمنذ تلك الليلة، بدأت تُطعمه وهي تهمس:
“يا رب، اجعل في هذا الطعام بركة ونماءً لابني. ليس لي من الأمر شيء، بل لك الأمر كله.”
وتجلّت رحمةُ الله… بدأ الطفل يتحسن تدريجيًا، وتوقف عن التقيؤ.
لم تتغير مكوناتُ الطعام، بل تغيرت النية.
فكانت رسالتها: “اعتمدي على الله، لا على علمك.”
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96].

القصة الثانية: أم ندى
في منزلٍ آخر، على الطرف الآخر من المدينة، كانت “أم ندى” تخوض يوميًا معاركَ مع ابنتها المراهقة…
عنادٌ، تقلباتٌ، وجفاءٌ في العلاقة.
وكانت الأم تقابل ذلك بعصبية، لا تتقبل أخطاء ابنتها، تُعنّفها وتعاقبها بشكلٍ مفرط، وكانت تردد عليها دائمًا:
“مامي مش هتحبك إلا لو سمعتِ الكلام. روحي، إنتي متعاقبة.”
وتتساءل دومًا:
“لماذا لا تستجيب؟ لماذا لا تتغير؟”

وفي لحظة إحباطٍ، فتحت المصحف دون تخطيطٍ، فوقعت عينُها على آيةٍ من سورة النحل:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
في تلك اللحظة وصلتها رسالة السماء، وهمس قلبُها بخاطرٍ: “كوني ملجأها قبل أن تكوني مرشدًا، كوني السكنَ والدعاء، والصدرَ الذي يحتوي.”
في اليوم التالي، لم تعاتب ابنتها، لم تحاضرها، فقط قالت: “تعالي افطري معايا.”
كان صوتها هادئًا على غير عادته.
تغيّرت النبرة، فتبدلت الاستجابة.
فتبدل الجو بينهما… بهدوء، ومن دون معارك، بدأت العلاقة تلين.
لم تختفِ الخلافات، لكنها لم تعد حروبًا. عادت العلاقة لتتنفّس. وعرفت الأم أن القرب أحيانًا أثمن من التوجيه، وأن الاحترام لا يُنتزع بالغضب… بل يُزرَع بالمحبة وأن التغيير لا يأتي بالصراخ ولا بالعقاب، بل يبدأ حين نوجه بهدوء، وبحكمة، وموعظة حسنة.

القصة الثالثة: أم سلمى
كانت “أم سلمى” حريصةً على أن تُربى ابنتَها على الصدق، واحترام الوقت، وضبط النفس… فكانت تُكرر عليها:
“ما ينفعش تتأخري عن ميعادك، ما ينفعش تردي بكذب، لازم تمسكي أعصابك وقت الغضب.”
لكن في الواقع… كانت “أم سلمى” تفعل عكسَ ما تقول.
تتأخر دائمًا عن مواعيدها، وتختلق الأعذار. تكذب أحيانًا كذباتٍ صغيرةً “بيضاء” لتخرج من مأزق. وكانت تنهار غضبًا في لحظات التوتر، ثم تعود لتقول لابنتها: “إنتي ليه ما عرفتيش تتحكمي في نفسك؟”
ومع الوقت، بدأت ترى في ابنتها انعكاسًا لتصرفاتها هي.
رأتها تتأخر ثم تبرر. تغضب ثم تُبرر. تكذب ثم تقول: “ماما قالت الكلام ده قبل كده”.
في تلك اللحظة، صُدِمَت كأن رسالةً من السماء تخترق قلبَها، وتذكّرت قولَ الله تعالى:
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9].
وسألت نفسها: كيف أطلب من ابنتي أن تكون صادقة… وأنا أحيانًا أكذب؟ كيف أزرع فيها الصبر… وأنا أنفجر؟ كيف أطالبها بالاتزان… وأنا فوضوية؟
فهمت أخيرًا أن التربية ليست بالكلام، بل بالقدوة… وأن الأطفال لا يتعلمون بما يُقال لهم، بل بما يعيشونه.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت “أم سلمى” تُربى نفسَها قبل أن تُكمِل رسالتَها مع ابنتها. صارت تختار الصدقَ مهما كلفها، وتضبط انفعالَها مهما اشتد الموقف، وتعتذر حين تخطئ… أمام ابنتها، لا خلفها.
وكانت رسالتها:
“كل ما تفعله يُربى… حتى صمتُك، حتى توترُك، حتى تبريراتُك… فابدئي بنفسك، ليصلح الله لك ذريتك.”
رسائل السماء لا تنقطع… ثلاث أمهات، ثلاث تجارب مختلفة… لكن الرابط بينهن كان واحدًا:
كلٌّ منهن ظنّت أنها تعرف، حتى جاءها “بريدٌ من السماء” ليُصحّح المسار:
قال لأم يوسف: النية قبل المهارة، والتوكل قبل التخطيط.
وهمس في أذن أم ندى: الاحتواء قبل النصح، والرحمة قبل التوجيه.
أما أم سلمى، فعرفت أن بداية الإصلاح تبدأ من ذاتها، لا من ابنتها.
كلها هدايا إلهية لا تنبع منا، بل تُلقى في القلب كـ”نور” حين نكون في أشد لحظات الضعف صدقًا مع الله.
حين نصغي للرسائل الربانية، ونُصلح النية، تُصلَح أحوالنا، وتُهذّب أخلاق أولادنا.
“”وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا”” [الطلاق: 2-3].
فإلى كل أم وأب… لا تُغلقوا بريدكم المفتوح، فالرسائل لا تزال تُكتَب من السماء كل يوم.

تحياتي وإلى لقاء جديد نُجدد فيه الإيمان عبر سلسلة مقالات “بريد إلهي مفتوح”.

اقرأ أيضا للكاتبة:

 نهى سعيد تكتب: بريد إلهي مفتوح.. رسائل وسط الحريق غيرت نظرة امرأة 

 

زر الذهاب إلى الأعلى