حركتهم تستوطن قلب أمريكا.. “العبرانيين السود الإسرائيليين” أعداء الصهيونية

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

في وقت تُجيّش فيه إسرائيل آلتها الإعلامية والدبلوماسية لتكريس مقولة «الشعب المختار» والرابطة التاريخية الحصرية لليهود البيض بأرض فلسطين، تتصاعد داخل المجتمع الأمريكي حركة دينية وسياسية راديكالية تُعرف بـ «العبرانيين السود الإسرائيليين» (Black Hebrew Israelites – BHI).

هذه الحركة لا تكتفي برفض الصهيونية وتفنيد أسطورة «النقاء العرقى اليهودي»، بل توجّه اتهاماً مباشرًا لليهود الغربيين والشرقيين القائمين على دولة إسرائيل اليوم بأنهم «سارقو هوية» (Identity Thieves)، وأن بني إسرائيل الحقيقيين هم الشعوب ذات البشرة السمراء والسوداء.

فما حقيقة هذه الحركة؟ وما تفاصيل لاهوتها المتطرف؟ وكيف تشكل حجر عثرة أمام المشروع الصهيوني على المستويين السياسي والديني؟

الفرق بين «اليهود السود» و«العبرانيين السود»

أولى الحقائق التي يجب حسمها للقارئ العربي، عن هذه الجماعة أو الحركة هي أن هناك خلطاً شائعاً بين فئتين مختلفين تماماً كالتالى:

الأولى: اليهود السود (Black Jews) وهم أفراد أو مجتمعات من ذوي البشرة السمراء يعتنقون الديانة اليهودية التقليدية بفرقها المعروفة، مثل «يهود الفلاشاه» في إثيوبيا، ويندمجون في المنظومة الدينية والمؤسسية اليهودية.

والثانية: العبرانيون السود (Black Hebrew Israelites) وهى حركة دينية وثقافية هامشية ومستقلة، ترفض الديانة اليهودية التقليدية جملة وتفصيلاً، وترى الأديان الكتابية الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية) أدياناً مزيفة فُرضت عليهم إبان تجارة العبيد عبر الأطلسي.

وأفراد هذه الحركة يعتبرون أنفسهم «العبرانيين الأصليين» سلالة أسباط بني إسرائيل الإثني عشر، ويمتد تنظيمهم في الولايات المتحدة عبر عدة فرق وشيع شبه مستقلة.

عقيدة «العبرانيين السود»

تعتمد الفرَق المتطرفة داخل هذه الحركة على استعادة النص الكتابي للكتاب المقدس، (العهدان القديم والجديد) وقراءته قراءة سلالية وصارمة، وتتلخص أيديولوجيتها في النقاط التالية:

تجارة العبيد كـ «عقاب إلهي»

تستند الحركة بشكل رئيسي إلى سفر التثنية (الإصحاح 28)، من العهد القديم، متأولين النصوص التي تتحدث عن شتات بني إسرائيل واستعبادهم وبيعهم على السفن، لربطها المباشر بـ «تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي».

ويرون – أيضا – أن الاستعباد والتمييز والسجن الذي تعرض له الأفارقة والهنود الأحرار في أمريكا لم يكن إلا عقاباً إلهياً لعدم التزامهم بالوصايا، وأن الحل الوحيد لرفع هذا العقاب هو العودة لـ «هويتهم الإسرائيلية الأصلية».

«المسيح الأسود»

وترفض الحركة المفاصل اللاهوتية للمسيحية التقليدية، وعلى رأسها صورة المسيح الأبيض، وتستشهد بـ سفر الرؤيا (الإصحاح 1: 15) الذي يصف قدمي المسيح بأنها: «مِثْلُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أَتُونٍ»، ليتخذوا من هذا النص دليلاً على أن المسيح كان رجلاً أسود البشرة، وأن تصويره بملامح أوروبية هو جزء من مخطط «سلب الهوية».

«اليهود الحقيقيين» و «الأدوميين»

وفي الأدبيات المتطرفة لحركة BHI، يُطلق على البيض واليهود الغربيين اسم «الأدوميين» (Edomites)، نسبة إلى «عيسو» أخ يعقوب والعدو التاريخي لبني إسرائيل في النصوص القديمة.

وتذهب الشيع الأكثر راديكالية إلى القول بأن هؤلاء «الأدوميين» سيعودون مستعبَدين في نهاية الزمان، مستخدمين تنويعات تحريفية على اللغة العبرية القديمة (حذف الحروف المتحركة واستخدام حرف Y بكثرة) لإسباغ شرعية على طقوسهم.

تأثير الحركة على الصراع العربي الإسرائيلي

وعلى الرغم من أن الحركة نشأت وتنشط بالأساس في الداخل الأمريكي، إلا أن أفكارها وتمددها يلقيان بظلال ثقيلة على الصراع العربي الإسرائيلي بشقيه السياسي والديني وهو ما سنوضحه فى التالى:

أولا: البعد الديني والأيديولوجي

تنسف أدبيات الحركة أسطورة «النقاء اليهودي، وهو ما يعنى ضرب «المشروعية الإلهية» لإسرائيل.

وفى هذا الصدد تزعم الدعاية الصهيونية أن اليهود المعاصرين هم الامتداد الحصري لـ «الوعد الإلهي» بأرض فلسطين.

وتأتي حركة «العبرانيين السود» لتسدد ضربة في قلب هذا الخطاب، بتأكيدها أن قادة إسرائيل ومستوطنيها الحاليين هم «أدوميون» و«غاصبون للهوية» وليسوا سلالة يعقوب.

ولا شك أن الحركة تسبب ما يمكن وصففه بـ “إرباك اللاهوت الصهيو-مسيحي” ففى الوقت الذى يعتمد فيه الكيان المسمى إسرائيل على دعم التيار الإنجيلي (الصهيونية المسيحية) في واشنطن، فأن حركة العبرانيين السود تُحدث بلبلة داخل الشارع الأمريكي الملون، إذ تقدم لاهوتاً مضاداً يرفض التحالف الإنجيلي-الصهيوني، ويعتبر إسرائيل الحالية كياناً قائماً على التزييف العرقي والتاريخي.

ثانياً: البعد السياسي والديموغرافي

تعاني إسرائيل تاريخياً من فوبيا الديموغرافيا والنقاء العرقي إلى درجة الهلع؛ لذا تعاملت السلطات الإسرائيلية بحذر وشك شديدين مع أتباع هذه الحركة الذين حاولوا الهجرة والاستقرار في منطقتي «ديمونا» و«المجدل» منذ ستينيات القرن الماضي.

وقد رفضت إسرائيل منح معظمهم المواطنة بموجب «قانون العودة»، واعتبرتهم تهديداً للهوية المحددة للكيان.

كما تُسهم أدبيات الحركة — خاصة في خطاباتها الموجهة للجمهور الأمريكي عبر منصات التواصل الاجتماعي والخطابة في الشوارع — في فضح ممارسات التمييز العنصري داخل الكيان الصهيوني، فهي تسلط الضوء على المعاملة الفوقية التي يتلقاها اليهود الملونون (مثل يهود الفلاشاه) مقارنة باليهود الغربيين (الأشكناز)، مما يضعف الصورة التي تسوقها إسرائيل لنفسها كـ «واحة للديمقراطية والمساواة».

 توظيف الحركة لصالح الحقوق العربية

ونؤكد هنا أن صعود حركة «العبرانيين السود الإسرائيليين» في أمريكا غير أنه يعري التمييز العنصري المؤسسي، يأتى أيضا شاهدًا من أهلها على هشاشة المرجعية التاريخية والعرقيّة التي تُأسس عليها الصهيونية مشروعها الاحتلالي.

وعلى الرغم من الانحراف الشديد والشطط العقدي الذي تشهده الشيع المتطرفة داخل هذه الحركة، إلا أن وجودها المتصاعد يُشكل مادة فكرية وسياسية خصبة لوسائل الإعلام والدبلوماسية العربية والإسلامية؛ لتفكيك المقولات الصهيونية وإبراز أن «الاحتلال» ليس فقط مصادرة للأرض الفلسطينية، بل هو قائم بالأساس على سردية تاريخية متصارَع عليها ومشكوك في صحتها حتى داخل الشارع الأمريكي نفسه.

طالع المزيد:

فلسطين تجدد دعوتها لتفعيل المقاطعة العربية ومساءلة الشركات الداعمة للاحتلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى