باسم صلاح يكتب: “جوجل” وزارة إعلام العالم العربي
بيان
في عالمٍ تُدار فيه العقول من خلف الشاشات، لم يعد الإعلام العربي كما كان، لم تعد الصحيفة الورقية، ولا القناة الفضائية، ولا حتى الإذاعة، تملك السيادة الكاملة على محتواها أو جمهورها، فقد تغيرت قواعد اللعبة، وبات اللاعب الأوحد الذي يتحكم في كل شيء مما نقرأه، ونشاهده، إلى حتى ما نصدقه هو كيان واحد اسمه “جوجل” .
فمنذ أن تحوّل الإعلام إلى الفضاء الرقمي، أصبحت جوجل هي وزارة الإعلام غير المعلنة لكل العالم، وخاصة العالم العربي إذ أن شركات الصحف والقنوات التي كانت تملك النفوذ المحلي أصبحت تابعةً لتقنيات خوارزمية تديرها شركات أميركية عابرة للحدود، وما من منصة تمثل هذا التحول أكثر من جوجل، ذلك العملاق الذي يملك مفاتيح الرؤية والوصول والتأثير.
الصحف العربية … الرهينة الرقمية
شهد العقدان الماضيان انهياراً تدريجياً لنموذج الصحف الورقية، وتحت ضغط تراجع التوزيع والإعلانات، وجدت الصحف نفسها مضطرة للانتقال إلى العالم الرقمي، ليس فقط كتحول تقني ، بل كمحاولة للبقاء المالي.
لكن من يتحكم في هذه المعركة الرقمية؟
الإجابة ببساطة : خوارزميات جوجل…!
من أجل ضمان الظهور في نتائج البحث، أصبحت الصحف تكتب عناوين تتماشى مع معايير “SEO” التي تحددها جوجل
و تحوّل التحرير الصحفي من الالتزام المهني بالمعلومة إلى مزيج بين الترفيه والإثارة وكلمات مفتاحية تناسب الذكاء الاصطناعي و الأسوأ من ذلك أن الصحف أصبحت تعتمد على أرباح إعلانات Google AdSense كمصدر أساسي للتمويل،
وبذلك لم تعد تكتب ما تراه مهماً وفقاً لسياستها التحريرية ، بل ما تراه خوارزميات جوجل “قابلًا للنقر والمشاركة” وبالتالي أصبحت الصحيفة التي كانت تُطبع لتشكل وعي المجتمع، الآن تُصاغ لتنال رضى جوجل.
القنوات التلفزيونية … من الشاشة إلى المنصة
أما القنوات الفضائية، فقد خضعت لنفس المنطق، ولكن عبر منصة أخرى تابعة لجوجل وهي يوتيوب.
ما كانت القنوات تحتكره من مشاهدات عبر الأقمار الصناعية، أصبح يُعاد نشره وتحليله ومشاركته على يوتيوب فلم يعد
يكفي إنتاج برنامج محترم ومهني، بل يجب أن يكون مقطع الفيديو مناسباً لـ”خوارزمية التوصية” في يوتيوب ، وأن يحصد مشاهدات، وتعليقات، ولايكات، وإشارات (Shares).
وبما أن يوتيوب يدفع المال بناءً على عدد المشاهدات والإعلانات، أصبحت القنوات تسير خلف مقاييس الربح التي تفرضها جوجل، وهذا لا يعني فقط الانحراف عن المعايير المهنية، بل خضوعاً كاملًا لمعايير شركة تكنولوجيا أميركية لا تمثل لا ثقافتنا، ولا لغتنا، ولا قيمنا.
جوجلط… مالك البوابة وأمين المرور
في الواقع إن جوجل لا تسيطر فقط على المحتوى العربي، بل على كيفية ظهوره وانتشاره، فمن خلال محرك البحث “Google Search”، ومنصة الفيديو “YouTube”، ونظام الإعلانات “Google Ads”، تملك الشركة شبكة تحكم كاملة في الآتي :
ترتيب الأخبار.
أولويات الظهور في نتائج البحث.
قابلية الوصول إلى القارئ أو المشاهد.
إمكانية التربّح من المحتوى.
هذه الشبكة تسمح لأي جهة (بما في ذلك أطراف خارجية) بشراء مساحة الظهور الإعلامي في العالم العربي دون المرور على أي قناة رسمية، أو أي رقابة محلية.
إن ما يحدث ليس فقط اختراقاً للفضاء الإعلامي العربي، بل تحويله إلى سوق مفتوحة لمن يدفع أكثر.
الأخبار المدفوعة… مقابل الحقيقة المجانية
إن من خلال نظام الإعلانات المدفوعة “Google Ads”، تستطيع أي جهة أن تشتري مساحة لترويج أخبار معينة، أو إخفاء أخبار أخرى وهذه حقيقة واقعية، و لا يمر هذا التلاعب عبر جهات رقابية إعلامية وطنية، بل يخضع فقط لقوانين جوجل الداخلية التي لا يُسمح حتى بالاطلاع على تفاصيلها الدقيقة.
وبهذا أصبحت “الحقيقة” في الإعلام العربي تُقرر في وادي السيليكون، وليس في غرف الأخبار المصرية أو العربية .
فعلى سبيل المثال:
يمكن ترويج رواية سياسية معينة على حساب أخرى فقط لأنها ممولة بشكل أكبر.
ويمكن إظهار مقالات معينة على رأس نتائج البحث، وتهميش مقالات أخرى لأنها لم تستخدم الإعلانات.
كما يمكن تحييد أصوات أو مواضيع كاملة من الفضاء العام إذا قررت خوارزمية جوجل أنها غير مناسبة.
والسؤال الآن : هل نحن أمام وزارة إعلام موازية؟
الإجابة الواقعية : نعم
ولكنها ليست وزارة تابعة لدولة عربية، بل شركة أميركية تملك بنية تحتية وخوارزميات وتدفقات مالية تفوق إمكانيات أي وزارة إعلام في المنطقة…!
وللأسف، لم تُقابل هذه الهيمنة الرقمية بردٍ فعلي واضح من الدول العربية، التي لا تزال تتعامل مع الإعلام وكأننا في عام 1990، بينما يتم تفكيك الإعلام الحقيقي داخل شاشات الحاسوب والموبايل.
.. والحل؟
والحل الذي لا يحتاج لعبقرية ولا اختراع هو طرح فكرة: ” الاستقلال الرقمي” ، حيث إنه إن لم تتحرك الحكومات والمؤسسات الإعلامية العربية سريعاً ، فإننا أمام خسارة كاملة للسيادة الإعلامية كما واقع الآن .
والتحرك لابد أن يكون في اتجاه إنشاء بدائل عربية لمحركات البحث ومنصات الفيديو ، وكذلك وضع تشريعات تضمن الشفافية في خوارزميات العرض والتوصية، والعمل على إعادة تعريف دور الإعلام المحلي ليكون مستقلًا عن الأرباح الرقمية التي تفرضها جوجل.
كما يتطلب الأمر فرض قواعد تنظيمية على الإعلانات الرقمية عبر المنصات الأجنبية و إطلاق حملات توعية رقمية للمواطن العربي ليفهم من يتحكم في ما يقرأه ويشاهده.
وختاما ً …
لقد أصبح واضحاً أن جوجل ليست مجرد شركة تقنية، بل وزارة إعلام عالمية “غير منتخبة” ، وغير خاضعة للقوانين المحلية، وتتحكم في وعي الشعوب العربية، بشكل مباشر وغير مباشر، فهل ننقذ ما يمكن إنقاذه؟!.





