شريف عبد القادر يكتب: المدافن ووزارة الأوقاف

بيان

في الماضي، كانت المقابر تتبع وزارة الأوقاف، وقد علمت بذلك عام 1985 أثناء تعاملي مع مدير إدارة الجبانات بخصوص مدفن عائلة والدي – رحمه الله. وقد ذهبت لمقابلته حاملًا بطاقة شخصية من خالي – رحمه الله – والذي كان مدير الشؤون الإدارية بمحافظة القاهرة قبل إحالته إلى المعاش.

وقد قابلني مدير الجبانات بترحاب، وراح يحكي لي أن خالي هو الذي عيّنه مديرًا لإدارة الجبانات بعد انتقالها من وزارة الأوقاف إلى محافظة القاهرة.

وهذه المقدمة تمهيد للمطالبة بإعادة إدارات الجبانات في جميع المحافظات إلى مكانها الطبيعي المناسب، وهو وزارة الأوقاف، نظرًا لما شاهدته خلال عقود من سلبيات فجة من قِبل من يُطلق عليهم “الترابية” المعتمدين من إدارة الجبانات.

فأغلبهم – إن لم يكن جميعهم – يجهلون أسلوب الدفن حسب الشريعة الإسلامية، ولا علاقة لهم بالدين إلا اسمه في بطاقاتهم القومية.

ومن المؤسف أن مهنة “التربي” أصبحت تورث، وغالبًا ما يستعينون بعمالة لفتح مدخل المقبرة وإنزال المتوفى داخلها، بينما يركّز “التربي” على كيفية ابتزاز أهل المتوفى ماديًا.

ومن ضمن أساليب ابتزازهم لأصحاب المدافن، تعمّد إتلاف بعض الأجزاء من المدفن باعتبار أن ذلك “تلف طبيعي”، ليقوموا بالإصلاح مقابل مبالغ كبيرة، فيما يُعرف بـ”الإصلاح الابتزازي”. أما الابتزاز السريع الإضافي الذي يتم عند دفن متوفى، فيكون بادعاء كسر مجدال حجري أو اثنين أثناء فتح المقبرة. حيث يتم إبلاغ “التربي” بوجود حالة وفاة لفتح المدفن، وبالطبع يصل جثمان المتوفى بعد عدة ساعات، ليفاجأ أهل المتوفى بوجود مجاديل مكسورة. وبعد أن يحصل “التربي” على قيمة مجاديل جديدة، يُحضرها بسرعة (وغالبًا تكون خاصة بنفس الفتحة)، في حين أن المجاديل المكسورة تكون مجرد وسيلة لابتزاز أصحاب المدفن الذين يأتون لدفن ذويهم. وطبعًا، كل ذلك بخلاف أجرة الدفن.

أما ما يثير الحزن، فهو أنه عندما يريد صاحب المدفن ترميمه، فلا بد من استخراج ترخيص ترميم من إدارة الجبانات، مقابل سداد خمسة عشر ألف جنيه. وهذه الجباية – التي لا نعرف مقابلها – تم تطبيقها منذ سنوات، بينما كان الأمر سابقًا يقتصر على دمغات بسيطة مع الطلب.

ومن يرفض سداد هذا المبلغ، يُعرض عليه من قِبل “التربي” أن يدفع خمسة آلاف جنيه “تحت الترابيزة” لمهندس في الجبانات، مقابل الترميم دون ترخيص، بخلاف قيمة الترميم نفسه، والتي يُغالَى فيها من قِبل “التربي” لعدم إمكانية الاستعانة بمقاول بمعرفة صاحب المدفن.

ولا نغفل ما يُشاع عن بيع جثث وعظام لكليات الطب البشري، أو استخدام بعض المقابر كمخازن للمخدرات لصالح تجار كبار مثل مصطفى مرزوق و”كتكت”، واللذين قضى عليهم وعلى أمثالهم اللواء أحمد رشدي، وزير الداخلية الأسبق – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

ومن الغرائب التي تحدث تحت سمع وبصر مسؤولي الجبانات، أن “الترابية” يفرضون مبالغ سنوية على أصحاب المدافن في المناطق الحديثة مثل 6 أكتوبر و15 مايو، تحت مسمى “الحراسة”. وقد بدأ بعض ترابية المدافن القديمة، مثل تلك الموجودة في البساتين وغيرها، بمحاولة تقليدهم بفرض مبالغ سنوية بنفس المسمى، رغم أن “الترابية” أنفسهم يعملون طوال شهور السنة.

ومما سبق، فإنه من الضروري إعادة تبعية المدافن إلى وزارة الأوقاف، وتخصيص موظفين من حملة المؤهلات المتوسطة الأزهرية للإشراف على إجراءات الدفن الشرعية، بالإضافة إلى عمالة يتم تثقيفها شرعيًا، وإنشاء إدارة هندسية متخصصة، مع وضع تسعيرة واضحة ومحددة لخدمات دفن الموتى.

اقرأ أيضا للكاتب:

شريف عبد القادر يكتب: من يحنو علينا يا أولي الألباب؟

زر الذهاب إلى الأعلى