شريف عبد القادر يكتب: من يحنو علينا يا أولي الألباب؟
بيان
(1)
هل يعلم مشرعو قانون الإيجارات القديمة المجحف أن الدولة قامت بتشكيل لجان تقدير الإيجارات بموجب القانون رقم ٧ لسنة ١٩٦٥، وكانت هذه اللجان تخفض الإيجارات لتتناسب مع المبنى والمنطقة المحيطة والحي، نظرًا ليقين الدولة من فرض الملاك قيمة إيجارية أكثر من القيمة المناسبة؟
ولماذا يتغاضى المسؤول عن سؤال الصحفيين عن قيمة “خلو الرجل” التي كانت تُسدد ولا تُثبت في عقد الإيجار، فيتحدث عن مقدم إيجار كانت تُخصم نسبة منه من الإيجار الشهري؟ ونفس الرد على من قام بتشطيب الشقة أو قام ببنائها. ثم يتحدث عن إمكانية التراضي بين المؤجر والمستأجر بعيدًا عن القانون، وطالما يتحدث عن التراضي، فلماذا التسرع في تشريع القانون دون الالتزام بحكم المحكمة الدستورية العليا، الذي لم يذكر الإخلاء بعد سبع أو خمس سنوات؟
وما هي الحكمة القانونية من عدم إخضاع المستأجرين بعد ٣١ يناير ١٩٩٦ لهذا القانون المجحف؟
ومن العجائب المضحكة والغريبة، انتقاد الحكومات السابقة لعدم تشريع مثل هذا القانون، برغم أن الحكومات السابقة لم يكن سعر الجنيه فيها بهذا الانبطاح أمام العملات الأجنبية، ولم تكن أسعار اللحوم والدواجن والأسماك والأدوية والكهرباء والمياه والغاز وكل شيء بهذا الارتفاع، الذي “شرفنا” به مع الحكومة الحالية. وإن كنا نتحمل من أجل الظروف المحيطة، لكن لم يكن من المناسب إصدار القانون المجحف في ظل هذه الظروف، ويصبح مبدئيًا الإيجار الشهري ٢٥٠ جنيهًا، وهي نفس قيمة تغيير أنبوبة البوتاجاز التي كانت تُشترى بجنيهات قليلة مع الحكومات السابقة، التي كانت تسيطر على الأسعار ولا تترك الحبل على الغارب للتجار الفجار، ولا تخضع لأغلب إملاءات صندوق “النكد” الدولي، وكانت تراعي أرباب المعاشات.
ويكفي تراجعها عن فكرة شيطانية من أحد أثرياء الغفلة بإزالة المدافن، وتراجعت احترامًا لحرمة الموتى. ولكن فوجئنا مع الحكومة الحالية بإزالة الكثير من المدافن دون مراعاة لحرمة موتى المسلمين، وفرض التُرَبية مبلغ خمسة عشر ألف جنيه على أصحاب كل مدفن لتسليمهم المدفن البديل، وذلك تحت سمع وبصر مسؤولي المحافظة أو الجهة المختصة.
فمتى نشعر بمن يحنو علينا، يا أولي الألباب؟
(2)
أعتقد أن سرعة العمل بقانون الإيجارات القديمة سيُعقبه تقليب جيوب الملاك بسدادهم ضرائب فورية على قيمة الإيجار المبدئية (٢٥٠ جنيهًا)، ولسان حال الحكومة يقول لهم: “ادفع يا حبيبي، مش هتاكلها لوحدك”.
رحم الله عم أحمد بائع الصحف في ستينيات القرن الماضي، حيث كان يقف على ناصية شارع زين العابدين مع شارع التلول بالسيدة زينب، وكانت الصحف: “أخبار”، و”أهرام”، و”جمهورية”، وقيمة الصحيفة ثلاثة تعريفة (قرش ونصف). وفي بعض الأيام، عندما كان يريد أن ينتهي من بيع الصحف مبكرًا، كان يترك زوجته بجوار الصحف، ويحمل كمية منها في حامل جلدي خاص بتجول باعة الصحف.
وكان يسير في الشوارع الجانبية ويصيح بكذبة تدفع غير معتادي شراء الصحف إلى الإسراع بشرائها. ففي مرة يصيح: “اقرأ: أم كلثوم ماتت”، وفي يوم آخر: “اقرأ: عبد الحليم حافظ مسكوه تحري”، وفي يوم ثالث: “اقرأ: فريد الأطرش مسكوه بيلعب قمار في شقته”، وكان ينتهي من بيع الصحف في وقت قصير. وفي كل مرة، كان نفس الأشخاص يشترون منه، برغم سابقة شرائهم وعدم رؤيتهم للخبر الكاذب الذي أطلقه عم أحمد.
وعندما تم السماح بإصدار صحف حزبية وخاصة، فوجئنا باستخدامهم أسلوب عم أحمد في الصفحة الأولى، ولكن على نطاق واسع.
ومع ظهور السوشيال ميديا، فوجئنا بغزارة الأكاذيب والإباحية، بهدف التربح من ازدياد عدد المشاهدات.
(3)
إبان تولي أحمد نظيف رئاسة الوزراء، كان صندوق “النكد” الدولي يمدح كذبًا تقدم الاقتصاد المصري، لأن الحكومة كانت تنفذ تعليماته، برغم معاناة الكثيرين من سوء الأحوال الاقتصادية.
وبسبب التصريحات الكاذبة لصندوق “النكد” الدولي، قرأنا في أبواب الحوادث بالصحف عن تعرض مصريين لعمليات نصب من أجانب أفارقة وآسيويين، وصلوا إلى مصر ومارسوا نشاطهم بناءً على تصريحات الصندوق.
وفي تلك الفترة، كنت أسير ظهرًا بجانب فندق شبرد بالكورنيش، فاستوقفني شابان سُمرا البشرة وهما مبتسمان، وكانا يتحدثان الإنجليزية. وبعد التحية، عرّفاني بنفسيهما، وقالا إنهما من جنوب أفريقيا، فرحّبت بهما لأنهما من بلد نيلسون مانديلا الثائر المحترم، ففرحا.
ثم عرضا عليّ بيع شقة بكامل أثاثها بشارع التحرير بالدقي، نظرًا لانتهاء إقامتهما في مصر، وكانت القيمة المطلوبة خمسة آلاف دولار، وهي قيمة ضئيلة. فأظهرت اندهاشي وفرحي، وسألتهم: “حقيقي؟”، فقالا: “نعم”. وضمّ أحدهم أصابعه وقبّلها للتعبير عن حلاوة العرض.
وحتى أنهي اللقاء، قلت لهم: “انتظروني الساعة ٨ بالليل عند باب العمارة لكي أشاهد الشقة”، فشعروا أن “الزبون جت رجليه”.
فأخرج أحدهم من مظروف صورة لرئيس جنوب أفريقيا الذي تولى بعد نيلسون مانديلا، وهو يقف مع رئيس الصين، وأشار إلى صورة رئيس جنوب أفريقيا، وقال لي: “هذا والدي”. فأشرت إلى صورة رئيس الصين وقلت له: “وهذا أنكل؟”، فتحولت ابتسامتهما إلى تكشيرة، ونظرا لبعضهما، وغادراني بسرعة الفيمتو ثانية… ليبحثا عن ضحية لا تكون من سكان حي السيدة زينب.
تذكرت هذه الواقعة بسبب تصريحات صندوق “النكد” الدولي حاليًا.
اقرأ أيضا:





