خالد سالم يكتب: من حلم مزيف إلى كابوس مرعب

بيان

في مكتبه المطل على شوارع تل أبيب، جلس آري شافيت أمام شاشة الكمبيوتر وهو يحدق في الصفحة البيضاء الفارغة. كان الصباح باكراً، والشمس تتسلل عبر النوافذ لتضيء غرفة التحرير في صحيفة “هآرتس”، لكن النور الخارجي لم يكن قادراً على إزالة الظلام الذي يخيم على قلبه.

بدأ يكتب بأصابع مرتجفة:

*”إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة”

توقف للحظة، وتساءل في سره: “هل هذا حقاً ما وصلنا إليه؟”

استمر في الكتابة: “يبدو أننا تجاوزنا نقطة اللاعودة، ومن الممكن أن إسرائيل لم تعد قادرة على إنهاء الاحتلال ووقف الاستعمار وتحقيق السلام.”

كان آري يتذكر كيف بدأ الحلم. في طفولته، حُكيت له قصص عن “الأرض الموعودة” وعن عودة الشعب المختار إلى أرض الآباء والأجداد. كان يؤمن بكل كلمة، كان يحلم باليوم الذي سيقف فيه في أرض فلسطين ويقول: “أخيراً، عدنا إلى البيت.”

لكن الواقع كان مختلفاً تماماً عما تخيله.

عندما وصل إلى فلسطين لأول مرة كشاب، رأى وجوهاً أخرى، عيوناً أخرى تحدق إليه بغضب وألم. لم تكن الأرض فارغة كما قيل له. كان هناك شعب آخر، يعيش هنا منذ قرون، له بيوته وذكرياته وأحلامه.

كتب في مقاله: “إذا كان الوضع هكذا، فليس هناك طعم للعيش في هذا البلد. لا طعم للكتابة في هآرتس. لا طعم لقراءة هآرتس.”

توقف مرة أخرى. كان يتذكر محادثة دارت بينه وبين صديقه الفلسطيني أحمد قبل سنوات. قال له أحمد بصوت هادئ لكنه حزين: “آري، أنت رجل طيب، لكن كيف تتوقع منا أن نقبل بأن نكون غرباء في أرضنا؟”

في تلك اللحظة، شعر آري وكأن شيئاً ما انكسر بداخله. بدأ يدرك أن الحلم الذي عاش من أجله كان مبنياً على معاناة آخرين.

استأنف الكتابة: “منذ وصول الإسرائيليين إلى فلسطين، أدركوا أنهم نتيجة كذبة اختلقتها الحركة الصهيونية.”

كانت الكلمات تتدفق الآن كالسيل. كل شك دفنه في أعماق قلبه لسنوات كان يخرج أخيراً إلى النور.

تذكر الحفريات التي شاهدها، والتقارير الأثرية التي قرأها. عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينيون التي طُردت من فلسطين عام 1968 لأنها كشفت الحقيقة. لا يوجد هيكل تحت المسجد الأقصى. كانت كلها أساطير.

“الهيكل أيضاً كذبة وأسطورة غير موجودة”، كتب بيد ترتجف من الغضب والحزن في آن واحد.

نظر من النافذة ورأى الشارع يعج بالحياة. أطفال يلعبون، عائلات تتمشى، حياة طبيعية على السطح. لكنه كان يعرف أنه على بعد كيلومترات قليلة، هناك حواجز وجدران وأطفال آخرون يحلمون بالحرية.

كتب: “لعنة الكذب هي ما يؤرق الإسرائيليين، ويوماً بعد يوم يضربهم في وجوههم على شكل سكين بيد مقدسي أو خليلي أو نابلسي.”

تذكر كلمات زميله جدعون ليفي: “يبدو أن للفلسطينيين طبيعة مختلفة عن بقية البشرية… احتللنا أرضهم ولقبنا شبابهم بالعاهرات ومدمني المخدرات، وقلنا أنه ستمضي سنوات قليلة وسينسون وطنهم وأرضهم، ثم انفجر جيلهم الأصغر في انتفاضة 1987.”

كانت الذاكرة تؤلمه. كل محاولة لكسر إرادة هذا الشعب باءت بالفشل. السجن، الحصار، الجدار، الحروب… ومع ذلك كانوا يقاومون، يحلمون، يناضلون.

“وفي النهاية”، كتب وهو يشعر بثقل الكلمات، “يبدو أننا نواجه أصعب شعب في التاريخ، ولا حل لهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال.”

أنهى المقال وأرسله للنشر. كان يعلم أن هذه الكلمات ستثير عاصفة، ولكنه لم يعد يهتم. لقد حان الوقت لقول الحقيقة، مهما كان الثمن.

في تلك الليلة، جلس آري في شرفة بيته يحدق في النجوم. كان الحلم الذي عاش من أجله قد تحول إلى كابوس، لكن ربما في الاعتراف بهذا الكابوس تكمن بداية الطريق نحو الحقيقة والعدالة.

همس لنفسه: “ربما لم يفت الأوان بعد. ربما لم نتجاوز نقطة اللاعودة. من الممكن أنه لا يزال بإمكاننا إنهاء الاحتلال ووقف الاستعمار وإصلاح الصهيونية وإنقاذ الديمقراطية.”

لكن في أعماق قلبه، كان يعرف أن الطريق طويل وشائك، وأن الكابوس الذي وثّقه في مقاله لن ينتهي بسهولة.

هذه قصة خيالية مستوحاة من مقال صحفي، تهدف إلى تصوير الصراع الداخلي لكاتب يواجه الحقائق المؤلمة حول الصراع في المنطقة.

اقرأ أيضا للكاتب:

خالد سالم يكتب: فخ التكنولوجيا

زر الذهاب إلى الأعلى