نهى سعيد تكتب: « بريد إلهي مفتوح ».. تسبيح البحر

بيان

على ضفاف البحر، حيث تنكسر الأمواج في حركة متتابعة لا تهدأ، جلس آدم ومريم فوق الرمال الباردة.

كان الليل ساكنًا، والنجوم تنثر ضوءها بخفة على صفحة الماء الممتدة.

أمسك آدم حفنة من الرمل وتركها تتساقط من بين أصابعه، ثم قال بصوت متأمل: “منذ آلاف السنين والبحر لا يتوقف.. يأتي ويعود بلا خلل ولا انقطاع. ألا يبدو لكِ هذا نظامًا يستحق التأمل؟”

ابتسمت مريم وهي تحدّق في الأفق: “ليس الأمر مجرد حركة ماء.. لقد اكتشف العلماء أن للبحر ترددات صوتية ثابتة، تشبه نبضًا عميقًا للأرض. حتى الكائنات البحرية تهتدي بها في أعماق المحيط.”

رفع آدم رأسه بدهشة: “كأن للبحر لغة لا نفهمها.. موسيقى خفية تعزفها الأمواج؟”

أجابت مريم بهدوء: “نعم، وهذا هو جوهر ‘تسبيح البحر’. ليس تسبيحًا بالكلمات كما نفعل نحن، بل هو خضوع عملي من خلال الانتظام والدقة. كل موجة، كل مدّ وجزر، كل ذبذبة.. هي انسجام تام مع القانون الإلهي.”

ساد بينهما صمت طويل، لم يُسمع فيه سوى صوت الموج وهو يلامس الشاطئ بإيقاع ثابت. شعر آدم أن المشهد كله يتحول إلى معزوفة عظيمة، لا يوقفها زمن ولا يقطعها بشر.

لقد أدرك أن البحر، كسائر المخلوقات، يسبّح لله. وأن الذكر ليس مجرد كلمات ترددها الشفاه، بل هو اتصال روحي يربط الإنسان بهذه السيمفونية الكونية. فكما تنثال الأمواج بتسابيحها الصامتة، انثال قلبه بتسبيحات تملأ الفضاء بين البحر والنجوم.

ابتسم وهو يردّد في داخله: “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر”… فاندمج صدى صوته مع صوت البحر، ليصبح كلاهما لحنًا واحدًا في كون يسبّح بالغيب والشهادة.

لم يعد هناك فاصل بين صوت الموج وصوت الذاكر، بين تسبيح الطبيعة وتسبيح القلب.

فهل ستجلس أنت أيضًا على شاطئ وجودك، وتصغي إلى هذا البريد الإلهي المفتوح؟ بريد يكتبه البحر، وتوقعه النجوم، وترسل رياحه نفحات التسبيح إلى كل قلب يقظ.

إنه بريد لا يُغلق، ينتظرك أن تفتحه بوعيك لا بحواسك، وأن تنضم إلى هذه التسابيح التي تملأ الكون منذ الأزل… وما زالت.

طالع فى هذه السلسلة:

نهى سعيد تكتب: « بريد إلهي مفتوح ».. سكينة في لحظة غضب

زر الذهاب إلى الأعلى