فتح بوابات سدّ النهضة: فيضان «مصطنع» أم إدارة طارئة؟ وما دور إسرائيل فى الأزمة؟

تقرير: عاطف عبد الغنى

  أثارت الخطوة الإثيوبية بفتح عدة بوّابات في سدّ النهضة (GERD) موجة من الاتهامات والقلق في القاهرة والخرطوم ، وذلك بعد أن تسبّبت التصريفات الاستثنائية من قبل أديس أبابا بتدفّق كميات هائلة من المياه إلى السودان وأدت إلى فيضانات واسعة طالت أراضٍ زراعية ومناطق مأهولة.

وعلى مستوى الإفليم والمنطقة انقسمت الجهات الرسمية والإعلامية ما بين تبرير إثيوبي لقرار الفتح واتهامات قائلة إن ما حدث «فيضانًا مصنّعًا» نتيجة سياسة تخزين متعمدة للمياه.

ما الذي حدث؟.. أرقام وتصريفات

تقارير إخبارية معتمدة على خرائط وأقمار صناعية نقلت أن إطلاق المياه عبر بوّابات السّدّ تجاوز مئات الملايين من الأمتار المكعبة يوميًا.

خبراء استشهدت بهم الصحافة المحلية أشاروا إلى أن إجمالي التصريف عبر أربعة بوّابات قد بلغ مستويات تقارب أو تتجاوز 635 مليون متر مكعب يومياً في ذروته، ما فاق قدرة السدود الترابية والطرق المائية في السودان على الاستيعاب فجأة. هذه الكميات تشرح سرعة اتساع رقعة الفيضانات في السودان في وقت لم يعد فيه جاهزًا لتلقي مثل هذا التدفق.

ماذا يقول الخبراء؟

أبرز الآراء المحذرة كانت من الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا، الذي وصف طريقة تشغيل السدّ والاحتفاظ بكميات كبيرة من مياه الفيضانات على مدى مواسم سابقة بأنها وراء تراكم مخاطر مائية جعلت من السدّ «قنبلة مائية» قابلة للتفريغ المفاجئ أو التسبّب في مشاكل هيكلية حال سوء الإدارة.

منتقدو إثيوبيا يقولون إن التخزين المتكرر للمياه ومن ثمّ التصريف المفاجئ خارج الموسم الطبيعي يختلف عن فيضان موسمي طبيعي، وله نتائج مدمرة على السودان أولًا ثم على دول المنبع والمصب.

تأثيرات على السودان

المنظمات والسلطات السودانية أعلنت حالة تأهب بعد وصول كميات كبيرة دفعة واحدة، وهو ما ضاعف الضغط على سدود ترابية محلية (مثل سدّ الروصيرص) التي لا تملك قدرة تخزين أو تفريغ مماثلة لسدود خَرسانية كبرى؛ لذلك عانت مناطق واسعة من الفيضان والتهجير الجزئي للمواطنين.

تقارير رصدت أيضاً أن التوقيت (سبتمبر–أكتوبر) ليس توقيت ذروة الأمطار التقليدية لكتل فيضانية كهذه، وهو ما دعم وصف بعض الخبراء للحدث بأنه «غير اعتيادي».

بحيرة ناصر والسد العالي تَحمِلان العبء

القاهرة بدورها تعاملت مع الزيادة في التدفقات بوصفها ضغطًا قابلًا للإدارة، مستندة إلى سعة بحيرة ناصر الهائلة التي تُقَدَّر بنحو 162 مليار متر مكعب والتي تشكّل وسيلةً ضغطٍ واحتياط كبيرة لحماية الحصص المصرية وإدارة الفيضان.

كما أوردت تصريحات رسمية وتقارير محلية تفيد بأن ارتفاع كميات المياه أدى في بعض الحالات إلى زيادة إنتاج الطاقة في السدّ العالي، وأن مصر تعمل على تحديث وتبديل توربينات السدّ العالي للوصول إلى قدرة إنتاجية أعلى (المخططات تشير إلى هدف إنتاجي يصل إلى نحو 2,400 ميغاواط بعد التحديثات).

لكن المسؤولين أيضاً تابعوا المناطق المنخفضة (مثل مساحات متداخلة في المنوفية وغيرها) وحصروا الضرر بمعظم الحالات بالأراضي المبنية بصورةٍ غير قانونية على رواسب النهر.

التوربينات هل كانت فعّالة أم معطّلة؟

تتباين تقارير حول جاهزية كل توربينات سدّ النهضة؛ مصادر فنية تحدثت عن أن عددًا محدودًا فقط من التوربينات كان يعمل أثناء موسم الفيضان اللاحق لملء الخزان، ما قلّص القدرات المتاحة لتصريف المياه بشكل منهجي عبر التوليد الكهربائي.

هذا الواقع قد يكون أحد الأسباب التي دفعت أديس أبابا للاعتماد على فتح بوّابات تفريغية بدلاً من توليد الطاقة لاستخدام الفائض في التصريف.

محرّرو تقارير فنية أشاروا إلى أن وجود توربينات غير مشغّلة أو قدرة تشغيليّة دون المستوى المتوقع يقوّض سلوكيات التصريف المدارة.

البُعد الأمني والعسكري

ترافقت التطورات المائية مع مشاهدة أقمار صناعية وتحليلات استخباراتية لحركة منظومات دفاع جوي ورادارات قرب موقع السد، ما فسّرته تقارير وتحليلات عسكرية على أنه استباق لردود فعل عسكرية محتملة أو إجراء لحماية المنشأة الاستراتيجية من تهديدات جوية.

بعض التحليلات خلعت على الخطوة طابعا استعراضياً لرسائل الردع والإيحاءات بأن السدّ لم يعد مجرد مشروع تنموي بل نقطة استراتيجية ذات أبعاد عسكرية.

في الوقت نفسه ثمة معلومات عن تعزيز علاقات إثيوبيا مع جهات خارجية — زيارات رسمية لأبي أحمد إلى روسيا ووجود منجزات تفاهمات تقنية ونووية ومشاوراتٍ عن تحصينات — ما أضاف طبقة من التعقيد الأمني الإقليمي.

هذه التطورات نقلت النقاش من إطار فني هيدرولوجي إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي وجيوسياسي.

دور إسرائيل: إشارات، تحليلات وتهديدات متداولة

الحديث عن دور إسرائيلي أخذ أشكالاً متعددة في التغطية الإعلامية: من جهة، ظهرت بتحليلات عسكرية إسرائيلية سيناريوهات افتراضية حول إمكانات ضرب السدود الكبرى (بما في ذلك السدّ العالي) وتأثير ذلك الكارثي؛ هذه المقترحات قُوبلت بإدانات وإشعال للغضب الدبلوماسي في القاهرة والمنطقة، لكنها وُصفت في كثير من الأحيان بأنها سيناريوهات افتراضية/تحليلية لا تعني قرارًا عمليًا.

من جهة أخرى، رصد مراقبون أن إسرائيل قد ترى في تعقيد ملف السدّ نافذة نفوذ سياسي واستراتيجيات ضغط إقليمية، بينما يشير آخرون إلى أن تلميحات ورسائل متبادلة (بمنشورات/تحليلات عسكرية ومسارات دبلوماسية خلفية) تهدف إلى بث رسائل ردع وإجبار على ضبط الإيقاع، لا بالضرورة ترخيصاً لعمل عسكري فوري.

وينبغي الفصل هنا بوضوح بين ما هو تحليل عسكري/استراتيجي منشور وما هو قرار تنفيذي على مستوى الحكومات.  

قراءة استراتيجية: هل ثمة لعبة رسائل إقليمية؟

النتيجة العملية للحدث ربما تُقرأ في ثلاثة مسارات متداخلة:

  1. بعد فني/هيدرولوجي: أخطاء في توقيت التصريف، أو تخزين مياه موسمية، أو تعطل جزئي في قدرة التوليد دفع إثيوبيا لفتح بوّابات تفريغية كبيرة.

  2. بعد سياسي/دبلوماسي: إثيوبيا تسعى لعرض إنجاز السدّ كرمز سيادي وتنموي، بينما القاهرة والخرطوم تضغطان دولياً لالتزام قواعد تشغيل شفاف وقانوني.

  3. بعد أمني/ردعي: تحرّكات دفاعية ورصد منظومات وميل إلى إشعال مناخ تصعيدي بالرسائل المتبادلة عبر وسائل تحليلية وإعلامية، ما قد يزيد خطر الانزلاق إلى تصعيد غير مقصود.

توصيات عملية ومطلوبة الآن

  • الشفافية الفنية الفورية: ضروري نشر بيانات تشغيلية تفصيلية عن كمية التصريف، وسبب فتح كل بوّابة، وخرائط زمنية تظهر مستوى التخزين في الخزان وعمليات التوليد. هذه البيانات تُخفّض التكهنات وتساعد إدارة الخطر.

  • آلية إنذار مبكر وتنسيق إقليمي: مطلوب تفعيل آلية مشتركة (فنيّة–هيدرولوجية) بين إثيوبيا والسودان ومصر لتنسيق التصريفات أثناء مواسم الأمطار.

  • تفادي الاستجابات العسكرية واللجوء للقنوات القانونية والدولية: أي سيناريوات عسكرية على بنى تحتية مائية ستتسبب بأضرار إنسانية هائلة؛ لذا البدائل السياسية والقانونية والوساطات الإقليمية أفضل بكثير من أي خيار عسكري.

وأخيرا فأن الفتح المفاجئ لبوّابات سدّ النهضة كشف أن المشروع الضخم لم يعد قضية هندسية بحتة، بل أصبح نقطة تماس بين إدارة مياه ومسائل سيادة وتنمية ورسائل ردع إقليمية.

المراقبون يحذّرون من أن استمرار تبادل الرسائل الإعلامية والعسكرية قد يحول أزمة مائية فنية إلى أزمة أمنية جيوسياسية، ما يستلزم تريّثاً سياسياً وتنسيقًا تقنيًا عاجلاً لتفادي المزيد من الأضرار في السودان ومخاطر مهددة للمصالح الوطنية للدول المتشاطئة.

……………………………………………………………………………………………………………………………….

مصادر البحث الرئيسية :

تقرير وكالة الأسوشييتد برس عن اتهامات إثيوبيا وإيضاحات الخبراء. AP Newsتقارير مصرية/مستندات تحليلية عن أحجام التصريف وأرقام يومية (مراجعة Egypt Independent). Egypt Independentبيانات علمية عن سعة بحيرة ناصر (معدّات علمية وورقة نشرية حول السعة). Natureتقارير محلية عن خطط تحديث توربينات السد العالي وزيادة القدرة الإنتاجية (الأهرام/تقارير محلية). Ahram Onlineتحليلات أمنية وعسكرية عن تحركات دفاعية حول موقع السدّ وقراءات معلنة في الوسائل المتخصصة.

طالع المزيد:

خبير جيولوجيا: خفض تصريف سد النهضة أنقذ السودان من كارثة

زر الذهاب إلى الأعلى