عاطف عبد الغني يكتب: من نصر أكتوبر إلى حرب غزة .. ماذا جرى؟! (1 من 2)

بيان

بعد انتصار أكتوبر 73 العظيم، أدرك القائد الرئيس الراحل أنور السادات أن المعارك لا تُحسم بالبندقية فقط، بل بالعقل السياسي والحنكة الدبلوماسية أيضًا، وبعقله الاستراتيجي قرر أن مرحلة الحرب لابد أن تُستكمل بمرحلة سلام، وأن المكاسب العسكرية التي تحققت يجب أن تدعمها مكاسب سياسية ودبلوماسية تُعيد لمصر كامل حقوقها فى أراضيها، وتضعها فى موقعها المستحق إقليميًا ودوليًا، ومن هنا كانت مبادرته التاريخية بزيارة القدس، وقد فاجأ السادات الجميع بإعلانه الذهاب إلى عقر دار العدو، فى خطوة زلزلت المشهد السياسي الإقليمي والدولي، وقد ظن بعض قادة إسرائيل فى البداية أن إعلان السادات عملية خداع جديدة من “الثعلب المصري” الذي أربك حساباتهم فى حرب أكتوبر.
ومن قلب تلك الجرأة السياسية، استطاع السادات أن ينتزع مكاسب ضخمة فى مفاوضات السلام التى خاضها، آنذاك، مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلىالصهيونى المتشدد مناحمبيجن، وقد انتهى الأمر بالأخير إلى الانسحاب من العمل السياسى والحياة العامة، ودخل فى حالة اكتئاب، بعدما أدرك أنه خسر أمام دهاء السادات مرتين: مرة فى الحرب، ومرة على طاولة التفاوض.
وفى معركة المفاوضات كان السادات يلجأ أحيانا إلى استخدام أساليب وأدوات غير تقليدية ليحصل على مكاسب، فحينما كانت المباحثات تتعطل، كان يوجّه المسئولين فى القاهرة إلى الإعلان عن العثور على رفات جنود إسرائيليين من قتلى المعارك فى سيناء، لتتحرك مشاعر الأمهات الثكلى داخل إسرائيل ، ويضغط الرأي العام الممرور من الهزيمة لاستئناف المفاوضات، لقد وظف السادات المشاعر والعقد النفسية لصالح المعركة السلامية، ولم يمر وقت كثير بعد معاهدة السلام مع مصر 1979، حتى دخل المشروع الصهيوني، بدعم من اليهودية العالمية، مرحلة جديدة، يسعى فيها إلى فرض هيمنة فكرية وسياسية واقتصادية على المنطقة بأكملها، وشهدت حقبة التسعينيات من القرن الماضى محطات “معاهدات السلام” التى وقعها مع الفلسطينيين والعرب مثل “اتفاقيات أوسلو 1، 2” مع الفلسطينيين، ومعاهدة “وادى عربة” مع الأردن عام 1994، لكن قبلها فى عام 1991 كان هناك حدث خطير مثل فى جوهره أداة اختراق ناعمة للمنطقة العربية.
القصة بدأت عقب انتفاضة الحجارة عام 1990، والتي هزّت إسرائيل من الداخل وهددت وجودها فتحركت القوى الدولية الداعمة فى الغرب لإنقاذها عبر عقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، الذي انطلق بعد حرب تحرير الكويت بشهور، وشاركت فيه دول عربية عدة، وخرج بثلاثة مسارات تفاوضية كالتالى: مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومفاوضات متعددة الأطراف بمشاركة عربية واسعة، ومفاوضات موازية سرّية لم يُعلن عنها وكانت الأخطر لأنها جرت خلف الكواليس دون علم الشعوب أو الإعلام.
المفاوضات أو المباحثات السرية الأخيرة أُديرت من خلال مؤسسة أمريكية تُدعى SEARCH FOR COMMON GROUND، وهي مؤسسة بحثية تعمل مع الخارجية الأمريكية ولعبت سابقًا دورًا رئيسيًا فى تفكيك الاتحاد السوفيتي، وأطلقت هذه المؤسسة مبادرة تحت عنوان “التنمية والسلام فى الشرق الأوسط”، ضمّت فى تشكيل مجلس أمنائها ومديريها شخصيات إسرائيلية وصهيونية بارزة، وجنرالات متقاعدين، ومسئولين سياسيين وسفراء كبارًا، وركزت فى عملها على خمسة ملفات رئيسية هى: القضية الفلسطينية، الأسلحة النووية، المياه، التعاون الاقتصادي، والتطبيع الثقافى والشعبي.. وللحديث بقية.

اقرأ أيضا للكاتب:

عاطف عبد الغني يكتب: صورة رديئة لواقع يحتاج لإعادة نظر

زر الذهاب إلى الأعلى