شريف عبد القادر يكتب: مقابر فى جزيرة ترد الروح

بيان

  أواخر تسعينيات القرن الماضي، سافرتُ إلى مدينة ميلانو الإيطالية لعدة أيام، وكعادتي كانت إقامتي لدى صديق العمر كرم شاذلي – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
وقد اصطحبني يومًا لزيارة مدينة فينيسيا (البندقية)، وقد أدهشني المشهد قبل وصول القطار إلى المدينة، إذ كانت قضبان السكك الحديدية تمتد فوق البحر لمسافة طويلة، حتى بدا لنا البحر من جانبي القطار عبر النوافذ المتقابلة.

وهناك استقللنا مركبًا صغيرًا أصغر من الأتوبيس النهري عندنا، وتوجهنا إلى جزيرة سياحية تضم كنيسة سان ماركو.

وعند دخولي الكنيسة، شدّني جمال الرسومات والزخارف المذهلة على السقف؛ فظللت أنظر إليها طويلًا حتى شعرت بألم في رقبتي من شدة إطالة النظر إليها لجمالها الأخّاذ، على الرغم من أنني لست من المهتمين عادةً بهذا النوع من الفنون.
وعلمت هناك أن الفنان الذي نفّذ هذا العمل الفريد قد ظلّ يعمل عليه وهو مستلقٍ على ظهره لمدة ثلاث سنوات حتى أتمّه، إذ كان يستلقي بهذه الوضعية كلما جاء لمباشرة عمله. وللأسف، لا أتذكر اسمه الآن.

ثم انتقلنا إلى جزيرة أخرى مخصصة للمقابر فقط، وكان منظر الأشجار والأزهار والطرقات الداخلية فيها مبهرًا يبعث السكينة في النفس ويُشعر بالاحترام للموتى. ومن المستبعد بالطبع أن تُقدِم الحكومة الإيطالية على إزالة هذه المقابر لاستغلال أرض الجزيرة في إنشاء طريق أو جسر، كما يحدث في بعض الدول.

بعدها توجهنا إلى جزيرة ثالثة تشتهر بصناعة الزجاج، حيث يوجد فيها مصنع لإنتاج الأشكال الزجاجية المختلفة مثل التماثيل الصغيرة للبشر والطيور والحيوانات، إضافة إلى الأكواب والتحف الزجاجية.

ويقوم الحرفيون هناك بتنفيذ عمليات التصنيع أمام السياح باستخدام أنابيب النفخ الزجاجي؛ إذ يسحب الصانع كتلة من الزجاج المنصهر من فرن مشتعل، ثم يشكّلها بالنفخ حتى تتحول إلى قطعة فنية مبهرة. وعند انتهائه، يصفق له السياح تقديرًا لمهارته. وبعد ذلك يتجول الزوار بين المعروضات لشراء ما يعجبهم منها.

أما السكان المحليون في فينيسيا، فيتنقلون داخل الشوارع والحارات بواسطة المراكب الصغيرة واللنشات، تمامًا كما نستخدم نحن السيارات. فهناك مراكب متواضعة وأخرى فاخرة وحديثة، إضافة إلى مراكب النقل العام التي تعمل بنظام التذاكر، ولنشات خاصة تشبه سيارات الليموزين بأسعار مرتفعة.

وما سلف سرده إنما استدعيته إلى ذهني بسبب تذكري لجزيرة المقابر التي تبعث الراحة والسكينة من جمال تخطيطها واهتمام الإيطاليين بها، وهي بالتأكيد لن تطالها الإزالة مثل المقابر التي تُزال حاليًا في القاهرة دون مراعاة لحرمة الموتى، حتى وإن كانت حرمة الموتى تقتصر – في نظر البعض – على سبعة عشر مدفنًا فقط تتبع الكومنولث، وغيرها من المقابر التي لا تجد من يصون حرمتها.

اقرأ أيضا للكاتب:

شريف عبد القادر يكتب: فكرة لمكافحة التحرش

 

زر الذهاب إلى الأعلى