مأساة بنغازي تهز ليبيا بعد مقتل 7 أطفال برصاص غامض
كتب: ياسين عبد العزيز
كشف الطبيب الليبي محمد الكوافي من جهاز الطب الشرعي، تفاصيل جديدة عن حادث مأساوي هز مدينة بنغازي، حيث عُثر على سبعة أطفال داخل سيارة بعد إصابتهم بطلقات نارية، وسط ترجيحات بانتحار والدهم عقب الجريمة، مؤكدا أن فريق الطب الشرعي لم يتمالك نفسه أمام هول المشهد، وأن الصدمة تجاوزت حدود التحمل الإنساني.
مأساة في الهند.. انهيار أرضي يبتلع حافلة ومصرع 18 شخصًا
روى الكوافي أن الأطفال السبعة، خمسة أولاد وفتاتان، وُجدوا جالسين في مقاعدهم كأنهم على وشك الوصول إلى المدرسة، وجوههم ساكنة وملامحهم محتفظة بابتسامة الصباح، في لحظةٍ بدت فيها الحياة متوقفة، وكأن الزمن تجمد عند آخر لحظة وعي. وأوضح أن المنظر كان قاسيا إلى درجة جعلت الفريق الطبي عاجزا عن مواصلة العمل دون دموع، فكل ما رآه داخل السيارة كان أقرب إلى كابوس واقعي لا يُحتمل.
قال الكوافي إن أكثر ما أثر فيه مشهد التوأمين عبدالرحمن وعبدالرحيم، اللذين عُثر عليهما متعانقين، كأن أحدهما حاول حماية الآخر من الرصاص، مشيرا إلى أن تلك الصورة وحدها كانت كفيلة بإسقاط أي صلابة في قلب رجل اعتاد مواجهة الموت يوميا. وأضاف أن هذه التفاصيل لا تُمحى، لأن مشهد البراءة حين تصطدم بالعنف يترك جرحا لا يندمل في ذاكرة من يراه.
وتحدث الطبيب عن الفتاة الكبرى ميار، التي كان يفترض أن تقود إخوتها إلى المدرسة صباح اليوم نفسه، لكنها انتهت غارقة في دمائها، وقد اختلط وشاحها الأبيض بلون الدم، وحذاؤها الملطخ تحول إلى رمز لصباحٍ لم يكتمل. وأشار الكوافي إلى أن يديها كانتا ممدودتين نحو إخوتها كأنها تحاول حمايتهم، لكن الرصاص اخترق هذا الجدار الطفولي الهش وترك دليلا مؤلما على آخر فعل أمومي غريزي صادر من طفلة لم تتجاوز المراهقة.
اعترف الكوافي بأنه فقد توازنه داخل المشرحة، وأن دموعه نزلت دون وعي، مؤكدا أنه لم يرَ في حياته المهنية مشهدا بهذا القسوة، وأن ما شاهده جعله يدرك أن مهنة الطب الشرعي لا تتعامل فقط مع الجثث، بل مع بقايا الإنسانية في كل من يواجه هذه اللحظات، ومع حدود قدرة الإنسان على الصمود أمام الألم.
وأشار إلى أن التحقيقات ما زالت جارية لتحديد هوية الفاعل، وما إذا كان الأب هو القاتل الفعلي أم أن جهة أخرى تقف وراء الجريمة، مؤكدا ثقته في أن السلطات الليبية، سواء في الأجهزة الأمنية أو القضائية، ستصل إلى الحقيقة الكاملة في أقرب وقت، لأن الرأي العام ينتظر إجابات واضحة حول واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ البلاد الحديث.
واختتم الطبيب الليبي حديثه قائلا إنه وقف أمام الأطفال طويلا دون أن يجد لغة تصف ما حدث، فكل الكلمات بدت عاجزة أمام المشهد، وكل مبررات العلم والطب انكسرت أمام حجم المأساة، مضيفا أن هذه الحادثة ستظل محفورة في ذاكرته، لأنها كشفت له أن أقسى ما في الموت ليس الجسد الساكن، بل الصمت الذي يخلفه وراءه.





