باسم العاصى يكتب: الذكاء الاصطناعي.. الوجه الجديد للأخ الكبير

بيان

 لقد أصبح الذكاء الاصطناعي يمثل نظرية الأخ الكبير كما وردت في رواية جورج أورويل 1984، التي ترمز إلى النظم الشمولية التي تراقب شعوبها بشكل مستمر وتُخضعها لسيطرتها المطلقة. وإن كان الحال الآن لا يتمثل في حكومات بقدر ما يتمثل في نظام رأسمالي بقيم نيوليبرالية مفروضة من قبل أفراد يمتلكون شركات الذكاء الاصطناعي المهيمنة على المجتمع الرقمي، والتي استطاعت خلق نمط من التفكير ذي بُعد واحد، وفرض الوصاية على عقلية الإنسان المعاصر بعملية تدجين تجعله لا يقاوم الاندماج داخل تيارات رأس المال وعمليات التواصل وتبادل المعلومات، التي تُوظَّف بشكل تحليلي لخلق احتياجات وهمية يُستلب فيها الفرد لتنضبط طبقًا لقواعد اقتصادية وأُطر الانتباه.

ومن هنا أصبح الذكاء الاصطناعي هو العقل الإداري السائد في تشكيل مخيلة الرأي العام بما يتناسب مع مصالح تلك الشركات المملوكة لعدد محدود من الأفراد الذين استطاعوا اختراق الخصوصية واستثمار أي معلومة وتوظيفها بشكل تجاري أو دعائي لمزيد من التفاعل والتواصل.
ويُقاس الآن قيمة التواصل بكمية المعلومات وسرعة تبادلها، مما يضاعف القيمة الاقتصادية لتلك الشركات التي أصبحت بمثابة نظام إقطاعي رقمي بامتلاكها البنية التحتية للشبكة، كما صاغ ذلك الاقتصادي الكبير يانيس فاروفاكيس في كتابه “الإقطاع التكنولوجي”.

فقد تم توظيف كل ما يتم اختراقه من بيانات وتفاعلات بشكل تجاري يعود بالربح إلى فرد واحد يمتلك تلك المنصة، لتصبح القيمة في توفير المساحة الرقمية لا في الإنتاج الصناعي.
لكن ما يهمنا في هذا المقال ما أشار إليه الفيلسوف الألماني ذو الأصول الكورية بيونغ تشول هان في كتابه مجتمع الشفافية، عن المعيار الثقافي الجديد الذي أنشأته قوى السوق النيوليبرالية باقتحام الخصوصية وفرض إملاءات استبدادية باسم الانفتاح، على حساب القيم الاجتماعية المختلفة.

وترتبط هذه الحالة بعلاقة معقدة بين الانفتاح والسلطة والتحكم والمراقبة، حيث أصبح الإنسان المعاصر تحت ضغط عصبي مستمر في اللاوعي، بشعوره الدائم بالمراقبة، فكثيرًا ما نلاحظ عند التحدث عن منتج ما أننا نجد إعلانه بعد لحظات على شاشاتنا، وكأن هناك من يسمعنا. كما نصطدم بوهم حرية التعبير ونقل المعلومات، ثم نفاجأ بتقييد حساباتنا الرقمية أو توجيه المحتوى بما يتناسب مع مصلحة النظام الرقمي الجديد.

لقد وقع العالم بأسره اليوم في قبضة نظام مراقبة شامل، حيث لم يعد له جدار يحيط به. فمحرك البحث “جوجل” وشبكات التواصل الاجتماعي التي تُقدّم نفسها بوصفها مساحات مفتوحة للحرية، ومعها أدوات تحليل البشر مثل “شات جي بي تي”، قد أوهمت العالم بأن نظام المراقبة ليس هجومًا على الحرية، بل جعلت الناس تستسلم طوعًا للمراقبة عبر تعرية أنفسهم وعرضها.
أصبح السجين في هذا النظام الرقمي هو الجلاد والضحية في آن واحد.

لقد تحولت العولمة من عبور الحدود وفتح الأسواق إلى نظام شمولي يقتحم الخصوصية الفردية ويقهر الحريات، إلا بما يتناسب مع نموذجه التعريفي الخاص.
ويبقى السؤال: ما هو مصير الإنسان الذي أصبح محاصرًا ويتوهم الحرية لبعض الوقت؟

إن نظرية “الأخ الكبير” التي تراقب كل شيء قد وضعت الإنسان المعاصر تحت ضوء ساطع إلى حد الاحتراق النفسي والإرهاق الروحي، الذي قد يصل في كثير من الأحيان إلى حد الجنون.

اقرأ أيضا للكاتب:

باسم العاصى يكتب: الرقة التي تُغتال

زر الذهاب إلى الأعلى