نهى سعيد تكتب « بريد إلهي مفتوح »: فتنة النظر
بيان
كان سامح رجلاً هادئَ الظاهر، لكنه اعتاد أن يترك لعينيه مساحةً واسعةً؛ ينظر هنا وهناك، مُتوهماً أن تلك النظرات عابرةٌ لا تُسجَّل ولا تُحاسَب. ومع الأيام، صار اهتمامه بالخارج أكبر مما يُعطيه لبيته ولزوجته سلمى، التي كانت تستقبله دومًا بحبٍ صادق واهتمامٍ دافئ.
ومع الوقت، بدأ سامح ينجذب إلى سيدات أخريات، يقع أحيانًا في صداقة أو محادثة تُشعل قلبه، وكل ذلك بدأ من تلك النظرات التي ظنها بريئة… لكنها زرعت بذور الفتور في قلبه وبيته.
وفي ليلةٍ هادئة، كان سامح نائمًا وهاتفه إلى جواره. رنّ إشعار خافت، فمدت سلمى يدها لتسكت الصوت، لكن الشاشة انفتحت على محادثة لم تكن تتوقعها.
كلمات قليلة… لكنها كانت كافية لأن تُوجِع قلب امرأة ظلّت تُحب بصدق.
تجمدت.
أغلقت الهاتف كمن يُغلق بابًا على طعنة.
وخبأت الألم في صدرها كي لا توقظه.
وفي الصباح، وجد سامح الهاتف في غير مكانه المعتاد. فتح الشاشة… فوجد المحادثة مفتوحة، ووقت القراءة يعود إلى ساعة كان فيها نائمًا. فهم كل شيء في لحظة.
نظر إلى سلمى وهي تعد القهوة بصمت، فرأى ابتسامتها الهادئة أضعف من أن تخفي الانكسار.
ومنذ تلك الليلة… ظلّت العلاقة بينهما متوترة لشهور.
يقتربان يومًا… وتباعد المسافة أيامًا.
حوارٌ مبتور، وضحكة لا تكتمل، ونومٌ يفصل بينهما كجدار.
وفي يومٍ، بينما كان سامح يقلب هاتفه في شَرود، وقفت عيناه على قصةٍ تَظهر كرسالةٍ من الماضي: قصة الصحابية الجليلة جميلة بنت عبد الله، زوجة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنهما.
كانت جميلة زوجةً لرجلٍ صالحٍ، عابدٍ تقي، لم يُعرف عنه إلا الخير والدين، لكنها جاءت إلى النبي ﷺ يوماً وقالت له:
“يا رسول الله، ما أعيب عليه في خُلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام.”
كانت الكلمات تُخفي وراءها حقيقةً عميقة: لقد كانت تخشى أن تَقصُر في حق زوجها، وهو “كُفر” بالنعمة والعشرة في ميزان الإسلام.
وقد روي أنها لم تعد تستطيع أن ترى فيه ما يَسُدُّ حاجة قلبها، وشعرت بضيقٍ لا تعرف سببه.
وفي أحد الأيام، بينما كانت تنظر من خيمتها، رأت زوجها بين الرجال فألقَتْ نظرةً قارنت فيها دون أن تدري.
هذه النظرة فتحت بابًا في قلبها لم تُغْلَق: باب المقارنة.
والقلب إذا دخلته المقارنة، ولو من شقٍ ضيق، جاء النفور من حيث لا ينتظر.
فهم النبي ﷺ لغَة قلبها الصادق، واحترم كرامتها وصدقها مع نفسها، فأذن لها بالخلع.
وكانت هذه أول قصة خلع في الإسلام — ليس بسبب خيانة أو إساءة، بل لأن النظرة غيّرت القلب، والقلب غيّر القرار.
هنا وقف سامح حائرًا، وكأن القصة تُكلّمه مباشرة:
النظر ليس مجرد إشارة عين؛ إنه مفتاح القلب. قد يبدأ بلحظة، وينتهي بزوال مودة، وربما بفراق.
هنا فهم سامح الرسالة:
أن النظر – سواء من الرجل أو المرأة – قد يهدم بيوتًا بلا كلمة ولا خيانة، بل بنظرة تقارن فتغيّر القلب.
كانت تلك الرسالة الربانية الأولى.
ثم جاءت الرسالة الثانية في خطبة الجمعة، إذ سمع الخطيب يتلو قول الله تعالى:
{قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}
[سورة النور: ٣٠]
ثم تلا قوله تعالى للمؤمنات:
{وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}
[سورة النور: ٣١]
لم يسمعها سامح أمرًا فحسب، بل إنقاذًا.
كأن الله يمد له الحبل الأخير ليمسك به قبل أن ينهار بيتٌ كامل.
خرج من المسجد يحس بثقل لم يجده من قبل.
كانت الآية تدق بابًا مغلقًا منذ زمن، وتعيد ترتيب أولويات حياته.
عاد ليلًا.
وجد سلمى في الشرفة، تنظر إلى السماء بعينٍ تبحث عن شيءٍ ضائع.
اقترب منها ببطء، وأمسك بيدها – اليد التي اشتاق قلبه إليها أكثر مما اعترف.
قال بصوت صادق ومكسور:
“سلمى… عرفت إنك شفتي الرسالة.
ومش هبرر… لأن مفيش مبرر.
بس أنا عايز نصلّح… نرجع اللي اتكسر.
عايز بداية جديدة… نظيفة… ليا وليكي.”
لم تتكلم.
لكن دمعتها التي سقطت على يديه كانت أول خطوة نحو الشفاء.
ومنذ ذلك اليوم، صار غض البصر عند سامح ليس واجبًا فقط، بل وفاءً.
وصار كل شيء يتركه للخارج… بابًا يُغلقه على الوهم، ونافذة يفتحها لبيته.
لقد فهم الرسالتين:
أن النظرة قد تهدم…
وأن غض البصر يبني.
وأن الحب لا يحميه الكلام، بل الأمانة.
وأدرك في النهاية أن بريد الله مفتوحٌ دائمًا؛ تصل رسائله لمن أراد أن يسمع، وتُنقذ القلوب التي كادت تنكسر، وتعيد للبيوت نورها حين يختار أصحابها أن يفتحوا باب الهداية، بدل باب النظرات.





