نهى سعيد تكتب: « بريد إلهي مفتوح »: رسائل السماء لا تُخطئ العنوان

بيان

سلمى في الأربعين من عمرها، امرأة رزينة، ناضجة، تظن أنها تجاوزت كل ما يمكن أن يُربك القلب أو يُهز الروح. عبرت قصص المراهقة، وتجاوزت خيبات الحب الأولى، واستقرت في زواج هادئ، لا صخب فيه ولا شغف… فقط استقرار.

وكانت امرأة محافظة جدًا، تضع حدودًا واضحة في تعاملاتها، ولا تسمح لأي مساحة رمادية أن تتسلل إلى حياتها.

ثم ظهر “سليم”.

رجل هادئ، حاضر بابتسامة، لبق في الحديث، وكان بينهما تعامل قائم على الزمالة والعمل… ثم تطور إلى علاقة صداقة، بريئة كما كانت تراها.
كانت تتعامل معه بأريحية وأخوّة، لا أكثر.

لكنه كان كثير السؤال عنها، حريصًا على تفاصيلها، مشجعًا لها في لحظات تعبها، يبعث برسائل صباحية، ويهتم بمزاجها.
وكان، دون أن يصرّح، يُلمّح بإعجابٍ صامت، يختبئ بين كلماته ونظراته..
ومع الوقت، شعرت بشيء مختلف…
لم تكن علاقة أخوّة، ولم تعد مجرد زمالة.
تسلل القرب الزائد إلى قلبها، وتحولت مشاعرها دون أن تخطط.
كانت فقط مشاعر، لم تفعل بها شيئًا، ولم تتورط في أي تجاوز، لكنها شعرت أنها تخسر شيئًا من توازنها الداخلي.

رغم إنها كانت تدرك أن تلميحه ليس صادقًا، وأنه يُجيد لعب دور الصديق المهتم أكثر مما يُجيد الصدق.

وفي عزّ هذا الارتباك… جاءت الرسائل.

الرسالة الأولى من سيدة حكت قصتها مصادفة: كانت متزوجة، غير سعيدة، وقع في قلبها رجل متزوج، ظل يلاحقها حتى طلقت من زوجها. وبعد أن تحررت، ظنت أنها ستبدأ من جديد، لكنه تركها قائلًا:
“إنتِ تركتِ زوجك وأولادك، كيف لي أن أثق بك؟”
وتركها نادمة على كل شيء.

الرسالة الثانية من جارة مريضة، شعرت أنها بحاجة لمن يهتم بها، فتعلقت برجل وقور ظهر في وقت فراغ زوجها عنها. أحبت اهتمامه، أعطته مالًا حين طلب، ثم اختفى دون أثر… وتركتها الخيبة تتجرّع مرارة الشعور بالخذلان.
عرفت لاحقًا من إحدى الصديقات أنه اعترف لها أنه كان يعرفها فقط ليستغلها ويأخذ مالها باسم الحب.

الرسالة الثالثة من صديقة قديمة، قالت إنها التقت رجلًا متزوجًا أحبّته، وعدها بالزواج، وادّعى أنه لا يملك المال ولا يستطيع توفير مسكن، فعرضت عليه أن تتحمل هي تكاليف عش حبهما.
ضحّت بمستواها الاجتماعي من أجله، وكادت أن تطلق من زوجها. ثم اكتشفت أنه كان يجهّز شقة لزوجته الشرعية بمبلغ 3 ملايين جنيه، وأن كل ما بينها وبينه كان مجرد تمثيلية… واستغلال.
عادت إلى بيتها وزوجها نادمة، لكنها حمدت الله أنها لم تطلّق.

عندها، شعرت سلمى أن الله يرسل إليها إنذارًا مباشرًا…
كأن كل قصة تحذير شديد اللهجة:
“احذري… فإن القلب إذا استرسل فيما ليس له، عاد منكسرًا لا يُجبر بسهولة.”

لكنها، رغم هذه الرسائل، لم تعرف كيف تفك التعلّق.
تمسّكت بسليم كصديق… تقنِع نفسها أنه مجرد شخص مريح، داعم، أخ…
لكنها كانت تعلم في أعماقها أن هذا ليس حقيقيًا.

كانت تحاول، وتضعف… تبتعد قليلًا، ثم تأتي رسالة عابرة أو مكالمة منه، فلا تمنع نفسها من الردّ.

ثم، في إحدى الليالي، كانت تجلس صامتة، فتحت التلفاز، فظهر أمامها المذيع الأمريكي الشهير ستيف هارفي، وهو يقول في مقابلة له:

ليس لدي صديقات من النساء، لا أؤمن بصداقة بين الرجل والمرأة، لأن الرجال، في الغالب، ينتظرون لحظة ضعف واحدة فقط، ثم ينقضّون.

كانت تلك الكلمات بمثابة الخَتْم السماوي لحيرتها…
فقررت أن تبتعد عن “سليم” بهدوء.

ومن هنا بدأت تتحرك بقلبها نحو الحقيقة…
عرفت أن القرب الزائد بين الرجل والمرأة، حتى لو بدأ بريئًا، لا يدوم بريئًا.
عرفت أنه لا يوجد شيء اسمه: “إحنا إخوات”…
فالشيطان لا يدخل من الباب، بل من الحنان، من الاهتمام، من السؤال الزائد، ومن الكلمة التي تأتي في لحظة تعب.

وهنا اختارت سلمى أن تنتصر على نفسها، وتُنقذ قلبها قبل أن يُخدش.
قررت أن تتقرب إلى الله…
تصلي قيام الليل، وتتعلّم تجويد القرآن الكريم، بنيّة أن يملأ الله قلبها بنوره، وأن يدخل القرآن محلّ التعلّق.
وكانت تلك أفضل وسيلة لفكّ الارتباط والشفاء.

شعرت أن كل آية تقرأها تُنزل في قلبها شفاءً، وأن كل مرة تتلو فيها كلام الله، تُطفئ بقايا التعلّق.

كما بدأت تمارس الرياضة، وعادت إلى الرسم، هوايتها المفضّلة..

لم تكن تلك نهاية لحكاية حب… بل كانت بداية لحكاية وعي.

هذه كانت قصة سلمى… لعلّها تجد صداها في قلبٍ يشبهها، ولعلّ قلوبًا أخرى تقرأها الآن، وتشتاق لأن تبدأ من جديد.

مع تحياتي، وإلى لقاء قريب.. نُجدّد فيه الإيمان، ونفتح بريدًا إلهيًا جديدًا، لا يُخطئ أبدًا عنوان القلب.

اقرأ فى هذه السلسلة:

نهى سعيد تكتب: « بريد إلهي مفتوح ».. حين يغيب الصوت وتبقى الرسالة

زر الذهاب إلى الأعلى