د. وليد عتلم: ما ينتظر “النواب” القادم لإعادة تنظيم الحياة السياسية والعلاقة بين الدولة والمجتمع

- أولويات التشريع في البرلمان المقبل

كتبت: إيناس محمد

مع اقتراب حسم نتائج انتخابات مجلس النواب القادم، واكتمال تشكيل البرلمان القادم، تتجه الأنظار إلى الأجندة التشريعية المنتظرة، وما إذا كانت ستعكس تطلعات الإصلاح السياسي والمؤسسي التي طرحت خلال السنوات الماضية.

ومرحلة ما بعد الانتخابات ستفرض تحديات معقدة تتطلب مراجعة شاملة للبنية القانونية المنظمة للحياة السياسية، بما يضمن الاستقرار الانتخابي، وتفعيل المشاركة الحزبية، وتعزيز الشفافية والرقابة المجتمعية.

وفي هذا الصدد، يطرح خبراء في العلوم السياسية رؤية واضحة لأولويات المرحلة التشريعية المقبلة، باعتبارها اختبارا حقيقيا لفاعلية البرلمان وقدرته على إحداث تغيير ملموس.

فى صدارة الأجندة التشريعية

يؤكد الدكتور وليد عتلم، أستاذ العلوم السياسية والكاتب والباحث المشارك بالمركز الوطني للدراسات، فى تصريحات خاصة لـ “موقع بيان الإخبارى” أن قانون الأحزاب السياسية يجب أن يتصدر الأجندة التشريعية للبرلمان القادم، مشددا على الحاجة إلى تشريع جديد يعالج بعمق قضايا التمويل الحزبي، والديمقراطية الداخلية، وآليات العمل والتنظيم.

ويرى أن هذه المهمة ليست معقدة كما قد يُتصور، خاصة أن الحوار الوطني خصص مساحات واسعة ضمن المحور السياسي لمناقشة واقع الحياة الحزبية، وما تعانيه من إشكاليات ومعوقات، وانتهى إلى مجموعة من التوصيات التفصيلية المتاحة لدى الأمانة الفنية للحوار الوطني.

التجربة الحزبية

ويشير دكتور وليد إلى أن التجربة الحزبية المصرية، الممتدة منذ عام 1907، تعد من أقدم التجارب الحزبية في المنطقة، وهو ما يجعل استمرار العمل بقانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 أمرا لا يتناسب مع تاريخ هذه التجربة ولا مع متطلبات المرحلة الراهنة.

ومن ثم، فإن إصدار قانون حديث للأحزاب أصبح ضرورة ملحة لتجديد الحياة السياسية وتفعيل دورها.

هل نبدأ من نقطة الصفر؟

وحول التساؤل المتعلق بإمكانية البدء من نقطة الصفر في صياغة التشريعات السياسية، يوضح عتلم أن الإجابة هي بالنفي، مؤكدا أن الحوار الوطني غطى بالفعل معظم القضايا المرتبطة بتحديث الحياة السياسية، وقدم أكثر من تصور متكامل يمكن للبرلمان المقبل الاستناد إليه بسهولة.

ويشدد د. عتلم على أن الأمانة الفنية للحوار الوطني تتسم بدرجة عالية من التعاون والحرص على دعم الجهد التشريعي في هذا الإطار.

ما شهدته العملية الانتخابية

وفي ضوء ما شهدته العملية الانتخابية الأخيرة من مظاهر عدم استقرار، يرى أستاذ العلوم السياسية ضرورة إعادة النظر في مجموعة من القوانين المنظمة للحياة السياسية، على رأسها قانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون مجلس النواب، وقانون تقسيم الدوائر، إضافة إلى مجمل البنية القانونية التي تحكم العملية السياسية، بما يضمن عدالة التمثيل واستقرار النظام الانتخابي.

كما يؤكد أن قانون الإدارة المحلية يمثل أولوية لا تقل أهمية، خاصة في ظل غياب المجالس الشعبية المحلية منذ عام 2011. ويشير إلى أن عودة هذه المجالس باتت ضرورة ملحة لعدة اعتبارات، من بينها تخفيف العبء عن أعضاء البرلمان الذين يتحملون حاليا أدوارا نيابية ومحلية في آن واحد، فضلا عن الدور التاريخي للمجالس المحلية كمدارس سياسية ساهمت في إعداد وتخريج كوادر وقيادات سياسية، وهو ما انعكس سابقا على جودة الأداء السياسي.

الرقابة الشعبية

وأضاف أستاذ العلوم السياسية، أن وجود مجالس محلية منتخبة يعزز من الرقابة الشعبية على أداء الأجهزة التنفيذية، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

وفيما يتعلق بحزمة القوانين ذات الطابع المؤسسي، يشير عتلم إلى أن تشريعات مثل قانون الأحوال الشخصية، وقانون تداول المعلومات، وإنشاء مفوضية عدم التمييز، لا تندرج ضمن القوانين العادية، بل تمس جوهر البنية المؤسسية للدولة، وتعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

ويعتبر عتلم أن قدرة البرلمان المقبل على إنجاز هذه القوانين تمثل معيارا موضوعيا للحكم على مدى فاعليته التشريعية.

أكثر القوانين حساسية

ويوضح أن قانون الأحوال الشخصية، رغم طبيعته الاجتماعية، يعد من أكثر القوانين حساسية وتعقيدا، لتشابكه مع اعتبارات دينية وثقافية ومجتمعية متداخلة، ما يجعله تحديا تشريعيا حقيقيا يتطلب حوارا واسعا وصياغة دقيقة تراعي التوازن بين مختلف الأطراف
أما قانون تداول المعلومات، فيرى أن إقراره سيمثل ترجمة تشريعية مباشرة لنص دستوري ظل معطلا لسنوات، وسيعكس جدية البرلمان في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، إذ لا يمكن الحديث عن رقابة مجتمعية فعالة أو سياسات عامة رشيدة في ظل غياب إطار قانوني يضمن حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات.

استجابة مباشرة لنص دستوري

وفي السياق ذاته، يؤكد أن إنشاء مفوضية عدم التمييز يعد استجابة مباشرة لنص دستوري، ومن شأنه إرساء آلية وطنية مؤسسية مستقلة تمتلك الصلاحيات اللازمة لمواجهة مختلف أشكال التمييز، وهو ما سينعكس بشكل إيجابي على صورة الدولة داخليًا وخارجيًا.

ويخلص الدكتور وليد عتلم إلى أن نجاح البرلمان القادم في إنجاز هذه الحزمة التشريعية، بمضامين حقيقية وليست شكلية، سيشكل إضافة نوعية لمسار التطور التشريعي والمؤسسي في مصر، خاصة إذا جاءت هذه القوانين بمستوى مرتفع من الجودة التشريعية، وبما يتوافق مع احتياجات المجتمع المصري وتحدياته، نظرا لارتباطها المباشر بحياة المواطنين اليومية وبمستقبل الممارسة السياسية في البلاد.

طالع المزيد:

 انتخابات برلمان 2025: الصعيد يضرب نموذجا رائعا في المشاركة السياسية الايجابية

زر الذهاب إلى الأعلى