لماذا تعيد ألمانيا حساباتها وتبتعد تدريجيا عن الصين؟

كتبت: إيناس محمد

تشهد العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا والصين تحولا لافتا بعد عقود من الشراكة التي وصفت بالناجحة والمربحة للطرفين. غير أن تغير موازين القوة الصناعية، وتصاعد المنافسة الصينية، إلى جانب الضغوط الجيوسياسية والتجارية، دفعت برلين إلى إعادة تقييم هذه العلاقة، والبحث عن مسار أكثر حذرا يقلل من الاعتماد على بكين.

بحسب تحليل نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، قامت الشراكة الاقتصادية بين ألمانيا والصين طوال نحو عقدين على تبادل واضح للأدوار؛ إذ تولت الصين تصنيع السلع الاستهلاكية للأسواق العالمية، بينما زودتها ألمانيا بالآلات والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة.

إلا أن هذه المعادلة بدأت في التغير، بعدما تطورت القدرات الصناعية الصينية، وتراجع اعتمادها على التكنولوجيا الألمانية، ما دفع العديد من المصنعين الألمان إلى المطالبة بفك الارتباط التدريجي مع الصين.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن الشركات الألمانية باتت ترى المنافسة الصينية غير عادلة، في ظل الدعم الحكومي الواسع الذي تحظى به الشركات الصينية، وانخفاض تكاليف الإنتاج، وارتفاع الطاقة التصنيعية، وهو ما دفع الحكومة الألمانية إلى اتخاذ خطوات لحماية صناعاتها المحلية.

وفي هذا السياق، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن إجراءات لحماية منتجي الصلب، وفرض قيود على استخدام المكونات الصينية في شبكات الاتصالات، إلى جانب دعمه لمبدأ «اشتر أوروبيا» في المناقصات العامة.

كما عقد مجلس الأمن القومي الألماني الجديد أول اجتماعاته لمناقشة الهيمنة الصينية على المعادن الحيوية، في مؤشر واضح على تحوّل عميق في السياسة الاقتصادية الألمانية نحو تقليل المخاطر والابتعاد عن الاعتماد المفرط على الصين.

وتفاقمت حدة التوتر مع تدفق البضائع الصينية منخفضة السعر إلى الأسواق الأوروبية، خاصة بعد فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية جديدة، ما دفع ألمانيا إلى تبني سياسات كانت ترفضها سابقا، مثل الحماية التجارية وفرض القيود على الواردات.

وحذر الاتحاد الألماني للصناعات من تصنيف الصين بوصفها «منافسا منهجيا»، فيما دعا اتحاد صناع الآلات إلى اتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة ما وصفه بالتنافس غير العادل، مطالبا بفرض عقوبات على المصدرين الصينيين المخالفين.

اقتصاديا، لفتت «وول ستريت جورنال» إلى أن الصين تجاوزت ألمانيا في حجم الصادرات العالمية، في وقت ارتفعت فيه واردات ألمانيا من ناقلات الحركة اليدوية الصينية اللازمة لصناعة السيارات بشكل ملحوظ، مقابل تراجع الصادرات الألمانية إلى الصين بنسبة 25% منذ عام 2019. وبلغ العجز التجاري الألماني مع الصين نحو 88 مليار يورو في عام 2025.

وفي الوقت نفسه، انخفض الإنتاج الصناعي الألماني بنسبة 14% مقارنة بذروته في عام 2017، وتراجعت الوظائف الصناعية بنحو 5%، لا سيما في قطاع السيارات.

وفي ضوء هذه التطورات، تشير الصحيفة إلى أن ألمانيا، وربما أوروبا بأكملها، تتجه إلى إعادة تقييم علاقتها الاقتصادية مع الصين، وسط دعوات متزايدة لفرض قيود على الواردات الصينية وحماية الصناعات المحلية، في ظل جدل مستمر حول مدى استعداد الحكومات الأوروبية لاتخاذ قرارات حاسمة، خاصة مع التقلبات المستمرة في العلاقة مع الولايات المتحدة.

طالع المزيد:

زر الذهاب إلى الأعلى