في يوم اللغة العربية العالمي: هل يخدم توثيق العامية الفصحى أم يهدد مكانتها؟

كتبت: إيناس محمد

في يوم اللغة العربية العالمي، تعود إلى الواجهة قضايا قديمة متجددة تتعلق بمكانة لغة الضاد وقدرتها على الصمود في مواجهة التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة، وفي مقدمتها الجدل الدائر حول العلاقة بين اللغة العربية الفصحى واللهجات العامية، ولا سيما فكرة إعداد قاموس للعامية، وهي الفكرة التي تنقسم حولها الآراء بين من يراها خطوة ضرورية لحفظ التراث اللغوي الشعبي، ومن يعتبرها مدخلًا خطيرًا يهدد هوية العربية الفصحى ويُضعف حضورها في الوعي الجمعي.

مستقبل الفصحى

ويأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه اللغة العربية تحديات متزايدة، بفعل هيمنة اللغات الأجنبية في مجالات التعليم والإعلام والتكنولوجيا، إلى جانب الانتشار الواسع للعامية في الخطاب اليومي وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الفصحى، وحدود التفاعل بينها وبين اللهجات المحلية، وإمكانية التوفيق بين الحفاظ على قدسية اللغة الجامعة للأمة، والانفتاح على تنوعها الشفهي.

أنصار فكرة توثيق العامية يرون أن اللهجات ليست دخيلة على اللغة العربية، بل هي امتداد طبيعي لها، تشكّلت عبر قرون من التفاعل الاجتماعي والثقافي، وتحمل في طياتها تاريخًا غنيًا من التعبيرات الشعبية والأمثال والحكايات، التي تعكس حياة الناس ووجدانهم.

قاموس للعامية

ويؤكد هؤلاء أن إعداد قاموس للعامية لا يعني بالضرورة إحلالها محل الفصحى، بل توثيقها بوصفها جزءًا من التراث غير المادي، الذي يستحق الحفظ والدراسة، خاصة في ظل مخاوف من اندثار بعض المفردات والتراكيب المحلية مع تغير أنماط الحياة.

في المقابل، يحذر فريق آخر من أن إعطاء العامية طابعًا مؤسسيًا من خلال القواميس والمعاجم قد يفتح الباب أمام تراجع الفصحى، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة، التي قد تجد في العامية بديلًا أسهل وأقرب، ما ينعكس سلبًا على مستوى اللغة المكتوبة، ويُضعف الصلة بالنصوص الكلاسيكية والدينية، وعلى رأسها القرآن الكريم، الذي شكّل عبر العصور مرجعية لغوية وثقافية جامعة.

نظام لغوي متكامل

وفي هذا السياق، يقول الدكتور حسام فؤاد، أستاذ اللغة العربية وأصولها، في تصريح خاص لـ«موقع بيان»، إن اللغة العربية تمثل نظامًا لغويًا متكاملًا يضم الفصحى والعامية معًا، مشيرًا إلى أن لكل منهما وظيفته ودوره داخل المجتمع.

ويؤكد أن توثيق العامية يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا أُنجز في إطار علمي رصين لا يتعارض مع مكانة الفصحى، بل يدعمها ويُبرز جذورها العميقة في اللهجات المتداولة.

ويضيف فؤاد أن الإشكالية لا تكمن في وجود العامية أو دراستها، بل في الطريقة التي يتم بها التعامل معها، موضحًا أن الأفضل هو التركيز على توثيق المفردات العامية ذات الأصول الفصيحة، وشرح مسارات تطورها الصوتي والدلالي، بما يسهم في ردم الفجوة بين اللغة المكتوبة والمنطوقة، ويُقرب الفصحى من وجدان المتحدثين بها.

ويرى أن هذا النهج يساعد على تعزيز الوعي اللغوي، بدلًا من تكريس القطيعة بين المستويين.

الأولوية لتعليم الفصحى

ويشدد أستاذ اللغة العربية على أن تحقيق هذا التوازن يتطلب سياسات لغوية واضحة، تعطي الأولوية لتعليم الفصحى في المدارس، واستخدامها بشكل أوسع وأكثر جاذبية في وسائل الإعلام، مع تقديمها بأساليب معاصرة قادرة على مخاطبة الشباب دون تعقيد أو جمود.

كما يؤكد أن الفصحى ليست لغة نخبوية أو بعيدة عن الحياة اليومية، بل تمتلك مرونة كبيرة تؤهلها للتطور ومواكبة العصر، إذا ما أُحسن استخدامها.

مناسبة لإعادة النظر

ويشير متابعون للشأن اللغوي إلى أن الاحتفاء بيوم اللغة العربية العالمي يجب ألا يقتصر على الفعاليات الرمزية والخطابات الاحتفالية، بل ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة النظر في السياسات التعليمية والثقافية، وتقييم واقع استخدام العربية في الفضاء العام، ووضع استراتيجيات طويلة الأمد تعزز حضورها في العلوم والتكنولوجيا والإبداع الرقمي.

وفي ظل هذا النقاش المتواصل، تبدو قضية قاموس العامية اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمعات العربية على إدارة تنوعها اللغوي دون التفريط في لغتها الجامعة.

فبين من يرى في العامية رافدًا ثقافيًا يجب توثيقه، ومن يخشى على الفصحى من التهميش، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على لغة الضاد حيّة وقادرة على التعبير عن الإنسان العربي في ماضيه وحاضره ومستقبله، بوصفها وعاءً للهوية، وأداة للفكر، وجسرًا للتواصل بين الأجيال.

طالع المزيد:

نسخة مصرية جديدة من عمر الشريف تضئ سماء الدراما الإيطالية.. من هو خالد الرشيدى؟

زر الذهاب إلى الأعلى