عاطف عبد الغنى يكتب: هل يسقط الغرب في فخ «مادية» الوجود؟

بيان

تُعرَّف الحضارة الغربية تقليديًا بوصفها وريثة للمكوّن «اليهودي–المسيحي»، غير أن السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه في السياق الراهن يتمثل في مدى استمرار هذا الإرث الروحي في توجيه مسار التطور الحضاري. فهل ما زالت القيم الروحية والأخلاقية تشكّل إطارًا ناظمًا للتقدم، أم أن هيمنة النزعة المادية قد أعادت تعريف التقدم العلمي بوصفه أداة تقنية منفصلة عن البعد الإنساني والأخلاقي؟ كما يطرح هذا التحول تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان الانفجار المعرفي الراهن يعكس رقيًا بشريًا حقيقيًا، أم أنه أسهم في تعميق الفجوة بين القدرة على الابتكار التقني ومستوى النضج الأخلاقي.

وانطلاقًا من هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أن ما يُعرف بـ«العَلمانية الغربية» – نسبةً إلى العالَم لا إلى العِلم – قد قدّمت نماذج معيارية جاهزة لتنظيم العلاقة بين الدين والمجال العام، وجرى تصدير هذه النماذج إلى سياقات ثقافية مغايرة دون مراعاة خصوصياتها التاريخية أو الحضارية. وقد صاحب ذلك ترويج تيارات فكرية لادينية اتخذت موقفًا صداميًا من الأديان، واعتبرتها – في بعض أطروحاتها – عائقًا أمام الحداثة أو مصدرًا لبنى اجتماعية غير عادلة، خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة.

غير أن تبنّي بعض النخب العربية لهذه الأطروحات جاء، في كثير من الأحيان، على نحوٍ انتقائي اختزالي، إذ انصب التركيز على مظاهر شكلية للحداثة، مثل التحرر الجسدي أو تجاوز المحرّمات الدينية، بوصفها مؤشرات كافية على التقدم. وجرى في هذا السياق إعادة تعريف مفاهيم مثل «الحرية» خارج أطرها الفلسفية والأخلاقية الأشمل، وربطها حصريًا بخيارات فردية ذات طابع سلوكي، مع إضفاء طابع نظري عليها تحت مسميات حديثة كـ«الجندر» و«النسوية»، دون نقاش نقدي معمّق لمرجعياتها الفكرية أو مآلاتها الاجتماعية.

وقد أدى هذا الاستيراد غير النقدي للمفاهيم إلى تغلغلها في بعض المؤسسات الثقافية والحقوقية، حيث جرى تبنّيها باعتبارها معايير كونية، مع إغفال السياقات التي نشأت فيها، أو الأهداف النهائية التي قد تتجاوز مجرد توسيع الحقوق الفردية إلى إعادة تشكيل البنى القيمية والأنثروبولوجية للمجتمعات. ويُلاحظ في هذا الإطار تراجع الاهتمام بمفهوم «الفطرة الإنسانية» لصالح تصورات مادية محضة للإنسان، تتعامل معه بوصفه كائنًا بيولوجيًا أو اجتماعيًا فقط، منفصلًا عن أي بعد غائي أو ميتافيزيقي.

ويُمكن فهم هذا المسار في ضوء الجذور الفكرية للحداثة الغربية، لا سيما تلك التي تبلورت عقب الصراع مع المؤسسة الكنسية في أوروبا، وانتهت إلى ترسيخ ما يُعرف بـ«العقلانية الوضعية»، حيث أُقصيت الأسئلة الماورائية الكبرى المتعلقة بالمصير والمعنى، لصالح تفسيرات مادية للوجود. وضمن هذا الإطار، لم تعد الأسئلة من قبيل: «من أين جئنا؟» و«إلى أين نتجه؟» محورًا للتفكير الفلسفي العام، بل جرى استبدالها بنماذج تفسيرية علمية أو دهرية تُقدَّم أحيانًا بوصفها بديلًا شاملًا عن الرؤية الإيمانية.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن النهضة الغربية نفسها لم تنشأ في فراغ تاريخي، بل قامت – في جانب معتبر منها – على تفاعل مع منجزات الحضارة العربية والإسلامية، التي أسهمت في تطوير العلوم والفلسفة خلال العصور الوسطى. غير أن هذا التفاعل ترافق لاحقًا مع علاقات قوة غير متكافئة فرضها الاستعمار، ما أتاح إعادة إنتاج هذه المنجزات ضمن سياق غربي، ثم تصديرها إلى العالم العربي في صيغ محدثة، غالبًا دون الاعتراف بجذورها الأصلية.

وقد أسهم هذا المسار في تكريس شعور بالهزيمة الحضارية لدى بعض التيارات الفكرية العربية، دفعها إلى تبنّي النموذج الغربي بوصفه المسار الوحيد الممكن للحداثة، حتى وإن اقتضى ذلك القطيعة مع الجذور الدينية والثقافية المحلية. وهكذا بات يُنظر إلى الانسلاخ عن المرجعيات التقليدية باعتباره شرطًا للاندماج في النظام العالمي الحديث، دون مساءلة نقدية لمدى ملاءمة هذا الخيار أو كلفته الحضارية على المدى البعيد.

اقرأ أيضا:

زر الذهاب إلى الأعلى