عاطف عبد الغنى يكتب: «أكل العيش والجاتوه».. سبعة عقود ونصف في حياة المصريين (3 من 3)

بيان
على مدى ثلاثين عاماً من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك (1981–2011)، مرَّت مصر بتحولات اقتصادية عميقة تركت آثاراً مباشرة على مستويات المعيشة والطبقات الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن سنوات حكمه الأولى اتسمت بقدر من الاستقرار، والبطء في تطبيق الإصلاحات (خلال الثمانينيات والتسعينيات)، فإن العقد الأخير شهد تغيراً حاداً مع تبنّي سياسات أكثر انفتاحاً، وانطلاق مرحلة الخصخصة الواسعة التي قادتها حكومة الدكتور أحمد نظيف منذ عام 2004 تقريباً.

خلال تلك الفترة، ظهر ما بات يُعرف بجيل “الحرس الجديد”، الذي روّج لفكرة دمج رجال الأعمال في دائرة السلطة واتخاذهم شركاء مباشرين في صنع القرار، وهو ما أدى عملياً إلى ما عُرف بـ “زواج السلطة ورأس المال”.

وركزت الحكومة آنذاك على قطاعات بعينها مثل الاتصالات والعقارات، التي تحولت لاحقاً إلى أدوات مؤثرة في الحراك السياسي والاجتماعي، وخصوصاً مع توسع استخدام التكنولوجيا وانتشار أدوات التواصل التي لعبت دوراً مهماً في إشعال موجات الاحتجاج التي سبقت ثورة يناير.

إلا أن هذه التطورات السريعة لم تُترجم إلى تحسين ملموس في حياة أغلبية المواطنين، فقد انكمشت الطبقة المتوسطة تدريجياً، وازدادت الفجوة بين طبقة صغيرة استفادت من الانفتاح الاقتصادي، وغالبية واسعة تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات العامة في مجالات حيوية كالصحة والتعليم.

وعلى الرغم من تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة في سنوات حكم نظيف، لم تصل عوائد هذا النمو إلى المواطنين، ولم تتناثر “ثمار” القطاعات الرائجة على الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

وفي المقابل، تصاعدت مشكلات البطالة والفساد والبيروقراطية، وازدادت الضغوط الناتجة عن الزيادة السكانية وسوء الإدارة، ما تسبب في انسداد أفق الشباب وارتفاع مستويات الغضب الشعبي الذي انفجر في يناير 2011.

دخلت البلاد بعدها في فترة من الفوضى السياسية والأمنية امتدت لنحو ثلاث سنوات، تخللتها مرحلة حكم جماعة الإخوان التي عاشها كثير من المصريين بوصفها مرحلة ارتباك وانعدام استقرار.

ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، واجهت الدولة تحديات أمنية ضخمة، أبرزها الإرهاب ومحاولات تقويض مؤسسات الدولة.

وفي الوقت نفسه، شرعت الحكومة في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي شامل بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، لتجاوز آثار سنوات الفوضى وتهيئة الاقتصاد لمعدلات نمو أكثر استدامة.

شمل ذلك إعادة هيكلة منظومة الدعم، وتحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، وتنفيذ مشروعات بنية تحتية كبرى في النقل والطاقة والإسكان، كان الهدف منها تحسين مناخ الاستثمار وخلق أرضية صلبة للنمو طويل المدى.

غير أن السنوات العشر الأخيرة حملت للمصريين تحديات معيشية قاسية، إذ أدى تحرير سعر الصرف إلى موجة تضخم غير مسبوقة بلغت ذروتها عام 2023، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية والغذاء التي تستحوذ على النسبة الأكبر من ميزانية الأسر المتوسطة والفقيرة.

وعلى الرغم من الزيادات المتتالية في الأجور وتحسين الحد الأدنى للدخل، لم تتمكن هذه الزيادات من ملاحقة معدلات التضخم، كما زادت تكلفة الخدمات بعد رفع الدعم التدريجي عن الوقود والكهرباء والمياه، وهو ما شكَّل عبئاً إضافياً على ميزانيات الأسر.

وفي المقابل، حققت الدولة تقدماً ملموساً على مستوى المؤشرات الاقتصادية الكلية، مثل انخفاض معدل البطالة من مستويات مرتفعة تجاوزت 13% عام 2013 إلى ما دون 8% في السنوات الأخيرة، إضافة إلى توسع برامج الحماية الاجتماعية وعلى رأسها برنامج “تكافل وكرامة” الذي قدّم دعماً مباشراً لملايين الأسر الأكثر فقراً.

كما أسهمت مشروعات البنية التحتية في تحسين كفاءة النقل وتهيئة بيئة مشجعة للاستثمار رغم التحديات العالمية.

ومع أن المصريين يدركون أن الأزمات الدولية — من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية-الأوكرانية والتوترات الجيوسياسية الإقليمية — أخرّت جني ثمار الإصلاحات، فإن الآمال لا تزال معلّقة على أن تنعكس مؤشرات النمو والاستقرار الاقتصادي على حياتهم اليومية، وأن تُترجم إلى تحسن فعلي في أمور حياتهم ومعيشتهم.

اقرأ أيضا للكاتب:

عاطف عبد الغنى يكتب: «أكل العيش والجاتوه».. سبعة عقود ونصف في حياة المصريين (2 من 3)

عاطف عبد الغنى يكتب: «أكل العيش والجاتوه».. سبعة عقودٍ ونصف في حياة المصريين (1 من 3)

 

زر الذهاب إلى الأعلى