عاطف عبد الغنى يكتب: «أكل العيش والجاتوه».. سبعة عقودٍ ونصف في حياة المصريين (1 من 3)
بيان
دعونا نتفق أولًا أن السطور القادمة ليست سوى محاولةٍ متأنيةٍ ومختصرةٍ ـ قدر الإمكان ـ لرصد وتحليل ما جرى للمواطن المصري في شأن معيشته وأحواله الاقتصادية والاجتماعية عبر خمسةٍ وسبعين عامًا مضت.
لماذا هذا الرقم تحديدًا؟ لأنه في تقديري يُجسِّد أربع مراحل متعاقبة لأنظمة حكمٍ متباينةٍ في فلسفتها وتوجهاتها، لكنها اشتركت جميعًا في أنها كانت ترسم ـ بوعيٍ أو بغير وعيٍ ـ مسار وكثيرًا من تفاصيل حياة المصريين ومعيشتهم اليومية، وتصوغ أحلامهم ومخاوفهم على السواء.
الحقبة الأولى هي الحقبة الملكية التي سبقت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، وكان نظام الحكم فيها برلمانيًّا في الشكل، ليبراليًّا في التصور النظري، إلا أن الواقع كان أبعد ما يكون عن هذا التصور الجميل، إذ اتسمت تلك المرحلة بانقسامٍ طبقيٍّ حاد، وتركزت فيها الثروة في أيدٍ قليلة لا تتجاوز خمسة في المائة من السكان، تضم بين طياتها عددًا كبيرًا من الأجانب والمتمصرين التابعين لقوى الاستعمار الجاثم على صدر البلاد آنذاك.
وفي المقابل، عاش عموم المصريين في دائرةٍ مغلقةٍ قوامها ثالوث الفقر والجهل والمرض، كأنما كُتب عليهم الدوران الأبدي في طاحونة الحاجة.
ومن رحم هذا الواقع الموجع وُلدت حركات مقاومةٍ وطنيةٍ متعددة، كان أبرزها مجموعة من ضباط الجيش الشبان الذين قرروا أن يصنعوا التغيير بأيديهم، فكانت ثورة 23 يوليو عام 1952 التي استردت الوطن المختطَف من الأسرة العلوية والاستعمار معًا، وأعادت تعريف معنى الاستقلال والسيادة.
ومع الثورة دخلنا إلى الحقبة الثانية، وكان من الطبيعي أن تستدير فيها البوصلة بشدة إلى الاتجاه الآخر، وأن يتوجه الثوار بعزمهم نحو نقيض ما ثاروا عليه، مدفوعين برؤية قائدهم جمال عبد الناصر الذي جعل من العدالة الاجتماعية عقيدةً، ومن الانحياز للفقراء منهجًا.
اعتمد عبد الناصر مبادئ الاشتراكية في السياسة والاقتصاد، ففكّك الإقطاعيات، وضرب الكارتيلات والاحتكارات، وأعاد توزيع الثروات، وطهّر السوق من العناصر غير الوطنية التي امتصت دماء البلاد في العهد السابق. وخلال سنواتٍ قليلةٍ من حكمه تشكّلت طبقةٌ وسطى جديدة من أبناء الفقراء والمهمشين، تلك الطبقة التي صارت عماد التنمية والبناء، وحملت الحلم الناصري إلى أبعد مدى، حتى جاء عام 1967 بما حمله من صدمة الهزيمة التي كانت في حقيقتها بداية مراجعةٍ لا نهاية طريق.
وعلى الرغم من النكسة، لم ينكسر الحلم الناصري، بل ازداد إصرارًا على النهوض مجددًا، لكن القدر لم يمهل صاحبه طويلًا، فرحل عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 بعد أزمةٍ قلبيةٍ مفاجئةٍ أنهت حياة رجلٍ أنهكه الصراع والحلم معًا.
رحل الزعيم قبل معركة التحرير التي خاضها خليفته الرئيس أنور السادات، الذي ورث تركةً ثقيلةً مليئةً بالإنجازات والإخفاقات في آنٍ واحد.
دخل السادات الحكم وقد تسلّم شعبًا يرى في الحكومة «بابا وماما»، على حد السخرية الشعبية الشهيرة التي لخّصت حالة الاتكال التام على الدولة، حيث ضمن المواطن وظيفةً وخدماتٍ ودعمًا واسعًا دون أن تُقابله روح إنتاجٍ أو منافسةٍ حقيقية.
وهكذا تراكم العبء على الدولة، بينما خمدت طاقة الأفراد، وجاء السادات حاملًا في جعبته حلمًا جديدًا، مدعومًا بنصر أكتوبر المذهل عام 1973، ليبدأ مرحلة الانفتاح على العالم وتبدّل القيم الاقتصادية والاجتماعية.
.. وللحديث بقية.





