عاطف عبد الغنى يكتب: من مقتضيات الأمن القومي
بيان
مرة أخرى، يطل علينا الدكتور محمود محيي الدين، الوزير الأسبق في حكومة الدكتور أحمد نظيف، تلك الحكومة التي كانت من الأسباب المباشرة لاندلاع ثورة 25 يناير، وذلك في سياق يستوجب تنشيط الذاكرة السياسية والاقتصادية. فقد سبق للدكتور محيي الدين أن طرح، خلال فترة استوزاره وفي ظل أجواء التمهيد لتوريث الحكم، مشروع “الصكوك الشعبية”، الذي قوبل برفض شعبي واسع، نتيجة إدراك عميق من المصريين لما يمثله هذا الطرح من تهديد مباشر للأمن القومي.
فقد كان المشروع يفتح الباب أمام نقل الملكية الفعلية لأصول استراتيجية مملوكة للدولة، وهو ما يعد خصخصة مقنّعة، خاصة في ظل غياب الشفافية والحوكمة اللازمة لإدارة مثل هذه الصكوك، مما يرفع من احتمالات الفساد وسوء استغلال الأصول العامة. والأسوأ من ذلك، احتمال فقدان الدولة سيطرتها على تلك الأصول حال وقوع أزمات مالية أو نشوب نزاعات قانونية مع المستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب. وقد شهدنا بالفعل في تلك الفترة مستثمرين محليين لجأوا إلى محاكم أجنبية، ورفعوا دعاوى ضد الدولة المصرية.
وبعيداً عن الجانب القانوني، فإن فكرة رهن أصول الدولة لصالح مستثمرين عبر أدوات مالية مثل الصكوك، تفتح باباً لما يمكن تسميته “الاستعمار المالي المقنّع”. فإذا أصدرت الدولة صكوكًا مقابل مجمع حكومي أو قطعة أرض، فمن يملك هذه الأصول فعليًا؟ وكيف تستعيدها الدولة؟ ومتى؟ وهل تظل الدولة مُلزَمة بتقديم عوائد حتى لو فقدت الأصل؟ هذه الأسئلة المشروعة تُطرح من منطلقات وطنية تتعلق بمقتضيات الأمن القومي.
وما يزيد من وجاهة هذه التساؤلات، هو ما نشهده من تحولات مفاجئة في خطاب الدكتور محيي الدين، الذي أصبح ينتقد سياسات صندوق النقد الدولي، داعيًا إلى تجاوز “نموذج التثبيت الاقتصادي” الذي التزمت به مصر منذ عام 2016، والذي تضمّن إجراءات مثل ترشيد الدعم، تعويم الجنيه، وتقليص الإنفاق العام. وفي المقابل، يدعو محيي الدين إلى تبني نموذج جديد يركز على “تحفيز النمو”، و”تعزيز التنافسية”، و”إعادة تمكين الطبقة الوسطى”، والتصدي لمشكلات توزيع الدخل والفقر المدقع، وهي جوانب لا يعالجها، حسب رأيه، برنامج الصندوق.
لكن المفارقة هنا لافتة؛ فمحمود محيي الدين ذاته كان أحد أبرز مهندسي سياسات الخصخصة، وعمل في إطار توجهات صندوق النقد ذاته، حين كان وزيرًا في حكومة نفّذت تلك السياسات. فهل نحن أمام تحول حقيقي في الرؤية؟ أم أن الأمر مجرد محاولة لمجاراة المزاج الشعبي الرافض للوصايا الاقتصادية الخارجية؟
وقد يرى البعض أن في هذا الطرح تمهيدًا لدور سياسي محتمل، خاصة مع ملاحظة كثافة ظهوره الإعلامي في الآونة الأخيرة، وتغيّره في النبرة والخطاب باتجاه لغة “مصالحة” مع الطبقات المتوسطة والفقيرة. كلها مؤشرات قد توحي بمحاولة إعادة تموضع سياسي، ربما طمعًا في تولي مناصب تنفيذية رفيعة مثل رئاسة الحكومة أو حقائب اقتصادية كبرى. وفي هذا السياق، يمكن فهم تصريحاته على أنها بمثابة “جس نبض سياسي”، خاصة في ظل ما تمر به البلاد من أزمة اقتصادية حادة، وتعثر في مسار التفاهمات مع صندوق النقد الدولي.
وعليه، يبدو أن طرح الدكتور محيي الدين يمثل محاولة للبحث عن “حل وسط” يوازن بين الحاجة إلى تمويل عاجل، وعدم الرغبة في الانزلاق نحو مزيد من الاقتراض أو الخصخصة الصريحة.
لكن، وحتى وإن بدا هذا الطرح جذابًا من الناحية النظرية، فإنه يفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة، ولا يمكن اعتباره بسيطًا كما يُروَّج له. بل يجب النظر إليه بحذر، خصوصًا في ضوء سجل الدكتور محيي الدين السابق كأحد رموز الفكر النيوليبرالي، مما يدعونا إلى التساؤل الجاد حول مدى واقعية دوافعه، وخشيتنا من أن يكون الأمر مجرد تكرار للسياسات القديمة في ثوب جديد.





