عاطف عبد الغنى يكتب: «أكل العيش والجاتوه».. سبعة عقود ونصف في حياة المصريين (2 من 3)
بيان
“نكتةٍ ومقالٍ” يمكن أن يختزلا موقف الرئيس السادات من سلفه الزعيم جمال عبدالناصر، ويلخصان التحول العميق بين عهدين.
والنكتة شاعت في أوساط المصريين بعد تولى الرئيس السادات الحكم بسنوات قليلة وهى: «السادات مشي على خط عبد الناصر.. بأستيكة»، والأستيكة فى الفصحى “مِمحاة”، من الفعل مَحا، أي أزال ومسح، والمعنى واضح، لكن الغامض هو المصدر الأول لتلك السخرية: هل “جماعة الإخوان”، خصوم عبدالناصر التاريخيين؟ أم اليساريون والناصريون الذين رأوا في السادات نقيضا لسلفه؟ أم هو الضمير الشعبي، العبقري الذى لخص المفارقة في جملة جمعت بين الذكاء والسخرية؟
أما المقال فقد نشر فى صفحة جريدة الأهرام الأولى تحت عنوان: «الانفتاح ليس سداح مداح» وكاتبه المفكر الراحل أحمد بهاء الدين، وتاريخ نشره 12 يوليو 1974، وهو تاريخ مبكر على تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى التى أطلقها السادات توافقا مع السياسات الاقتصادية التي دشّنها بعد انتصار أكتوبر، مؤمنًا فيها بأن الولايات المتحدة «تمتلك 99% من أوراق اللعبة» في صراع العرب وإسرائيل، وهي الجملة التي ستصبح لاحقًا مرادفًا لنهجه في السياسة والاقتصاد، وعلى أساسها وجه بوصلة مصر نحو الغرب الليبرالي وأحدث تحولا فى سياسات الحكم بدأ بإطلاق «المنابر» وانتهى بتعددية حزبية شكلية.
.. وجمع السادات بين منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فى الفترة من 27 مارس 1973 إلى 25 سبتمبر 1974 لمدة (18 شهرًا) حفلت بأحداث كبرى
في الستة أشهر الأولى من الـ(18 شهرا) كانت البلاد تتأهب للحرب، وفي الستة التالية خاضت حرب أكتوبر وانتصرت ودخلت مرحلة المفاوضات العسكرية في «الكيلو 101»، وفى الستة الأخيرة بدأ التمهيد لمرحلة التحول الاقتصادي فصدر قانون استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة رقم 43 لسنة 1974، المعروف باسم «قانون الانفتاح»، إيذانًا بانطلاق العهد الجديد.
غير أن الرياح هبت بأشد مما توقّع صاحب القرار.
ويروي أحمد بهاء الدين لاحقًا في كتابه «محاوراتي مع السادات»:
«هذا الانفتاح لم أعارضه، ولكنني عارضت انفلاته»، مضيفا بوضوح نقدي نادر: «كانت عواصف الانفتاح قد هبّت بالفعل قبل صدور القانون، فاندفعت إلى البلاد شتى أنواع السلع الاستهلاكية، وظهر المستثمرون الجادون إلى جانب النصابين المحليين والدوليين، وراحت أجهزة الإعلام تمجّد الجديد وتهاجم ما أسمته “فترة الانغلاق”، ووصل الأمر إلى تحقير كل ما هو مصرى، والتهويل بمزايا كل ما هو أجنبى، حتى الملابس المستعملة التى بدأ التجار يجلبونها من الخارج ويبيعونها للناس حاملة الكلمة السحرية الجديدة: «مستوردة».
يقول د. فخرى الفقى أحد دهاقنة “صندوق النقد”: “إن قرارات السادات الاقتصادية كان لها أثر فى تحريك دفة الاقتصاد المصرى، وأنه لولا الانتفاضة ضد قرارات «تحرير الدعم» لكانت مصر اختصرت سنوات فى طريقها نحو ما يعتبر «تحرراً اقتصادياً».
واعتبر «الفقى» أن الرئيس السادات اضطر إلى اللجوء لصندوق النقد الذى اشترط إعادة هيكلة الاقتصاد المصرى ووضع خطة إصلاح (اقتصادى) ضرب فيها الاعتبارات السياسية والاجتماعية بعرض الحائط.
وعلى رأس تلك السياسات جاء رفع الدعم عن مجموعة من السلع الأساسية مثل الخبز والسكر والشاى والأرز والزيت والمحروقات و25 سلعة أخرى، ما أدى إلى انتفاضة يناير 1977 التى عبر فيها الشعب عن معارضته لتلك السياسات بدعم من اليسار الذى رأى فى السادات تجسيداً للرأسمالية.
فيما أسفر الواقع الجديد عن حدوث انقلاب طبقى لصالح فئات هامشية لا تنتج قيمة مضافة، وانتعشت قطاعات الخدمات والتجارة والإسكان الفاخر والسياحة، مقابل تراجع الزراعة والصناعة ركيزتا الاقتصاد الوطني.
.. وللحديث بقية.





