مقتل الراقصة امتثال فوزي وانتهاء عصر الفتوات (الجزء الثاني)

 

سردية يكتبها: محمد سليمان

كان مقتل الراقصة امتثال فوزي على يد أحد أتباع الفتوة فؤاد الشامي حدثًا مصيريًا في تاريخنا المعاصر، فبمقتلها انتهى نهائيًا عصر الفتوات في مصر، والذي قمنا بإطلالة موجزة عن أهم ملامحه في الجزء الأول.

فما هي قصة الراقصة امتثال فوزي، وقصة قتلها؟

وُلدت امتثال فوزي بقرية مير التابعة لمركز ديروط بمحافظة أسيوط، وانتقلت مع أسرتها من قرية مير إلى الإسكندرية.

كانت امتثال فتاة من أسرة فقيرة، كحال الكثير من الأسر في تلك الأونة، وعملت كخادمة عند إحدى الأسر اليونانية التي كانت تعيش بالإسكندرية.

وإن كان البعض يقول، كما يذكر المحلاوي، بأن امتثال لم تكن تعمل خادمة، بل كانت تتدرب على أعمال الخياطة مع زوجة صاحب البيت اليوناني. وفي ذلك البيت تعلمت امتثال الخياطة واللغة اليونانية، حتى إن من كان يسمعها تتحدث باليونانية يظن أنها من بنات أثينا، لإتقانها اللغة اليونانية ولجمالها الشديد.

كانت امتثال فتاة طموحة، رغم فقرها، متمردة كعادة أغلب الجميلات، تتطلع لحياة الثراء والأبهة.

كان الخواجة صاحب البيت الذي تعمل به امتثال كثيرًا ما يتحدث أمامها عن مقهى الغزواي، ذلك المقهى السكندري الذي يتلقف الراقصات المبتدئات، فتبقى به الراقصة حتى تلمع وتشتهر، ثم تتركه إلى الملاهي الفاخرة بالإسكندرية أو إلى صالات القاهرة الكبرى بشارع عماد الدين.

وفي يوم من الأيام لم تجد الأسرة اليونانية امتثال.

في الصباح قام الخواجة بإبلاغ الشرطة عن اختفاء امتثال، وبعد عدة أيام تم إبلاغه أن الفتاة قد عُثر عليها في مقهى الغزواي تعمل راقصة.

وفي ذلك المقهى طار صيت امتثال في كل أرجاء مدينة الإسكندرية، لتنتقل بعد فترة للعمل بالملاهي الكبيرة بالإسكندرية، وما لبث أن وصل صيتها برّ مصر، وخاصة ملاهي شوارع عماد الدين.

كانت بديعة مصابني تتلقف كل اسم لامع في عالم الرقص للعمل في الملهى الخاص بها بشارع عماد الدين، وعلى يديها تتلمذت الراقصات ببا عز الدين، وإفرانز هانم، وتحية كاريوكا، وسامية جمال…

ذهبت بديعة إلى الإسكندرية وتعاقدت مع الراقصة امتثال فوزي، وأصبحت امتثال إحدى أهم تلميذات بديعة مصابني، إن لم تكن الأهم، فبتواجدها بكازينو بديعة زاد الإيراد اليومي للكازينو بصورة كبيرة.

أصبح اسم الراقصة امتثال ملء السمع والبصر، وقامت بالتمثيل في بعض الأفلام المصرية، منها فيلم الهارب، وفيلم حظ المحب.

وتزوجت من المخرج والمسرحي الكبير زكي طليمات بعد انفصاله عن السيدة روزا اليوسف.

قررت امتثال، بعد أن نالت شهرة عظيمة، ترك ملهى بديعة مصابني، وقامت بمشاركة الراقصة ماري منصور في كازينو البوسفور بميدان باب الحديد.

ولكن في أول ظهور لها بذلك الملهى، ظهر فؤاد الشامي، ذلك الفتوة المرعب الذي كان يتحكم في كل المسارح والملاهي الليلية بشارع عماد الدين، وطلب منها دفع إتاوة شهرية قدرها 50 جنيهًا مقابل حمايتها.

رفضت امتثال الانصياع للشامي، وشتَمته، واشتكتْه للشرطة، التي لم تفعل شيئًا يُذكر مع الشامي، بل إن رد فعل رجال الشرطة على بلاغها كان سلبيًا للغاية؛ إذ قال لها الضابط، بدلًا من مساعدتها، إنهم ليسوا حراسًا شخصيين، وإن مهمتهم تقتصر على التحقيق في الجرائم بعد وقوعها فقط.

قرر الشامي معاقبة امتثال، ليس لمجرد امتناعها عن دفع الإتاوة، بل لقيامها أيضًا بتحريض الراقصات على عدم الانصياع له ودفع الإتاوات. كانت امرأة شجاعة، ما عرّض صورة الشامي ورجاله للاهتزاز، فقرر أن يجعل من الراقصة امتثال فوزي عبرة لغيرها.

وفي 22 مايو 1936، قام أحد رجال عصابة الشامي، ويدعى كامل الحريري، بضرب امتثال بزجاجة مكسورة في عنقها، فتضرجت في دمائها، وماتت في الحال.

وبعد أيام بسيطة، وتحديدًا في 26 مايو 1936، تم قتل الراقصة عيوشة، التي كانت تعمل بملهى بديعة مصابني.

وانقلبت الدنيا في مصر المحروسة، وأصبح مقتل الراقصة امتثال فوزي قضية رأي عام.

قامت الصحف آنذاك بشن هجوم حاد على الحكومة، وكان من بين ما كتبته:
(مصرع الراقصة الحسناء البريئة… استهتار تام بالحكومة والبوليس والأمن العام)

وجاء في إحدى الصحف:
(مسكينة يا امتثال… دمك في عنق الحكومة، ويجب وضع حد لهذه الفوضى)

ويخبرنا رفائيل كورماك في كتابه الشيق «منتصف ليل القاهرة» عن انقلاب الرأي العام على رجال الشرطة، قائلًا:
«في الأسابيع التي أعقبت القتل، انقلب الجمهور أيضًا على رجال الشرطة الذين كانوا غير أكفاء بشكل صارخ في التعامل مع شكاوى امتثال…».

قام النحاس باشا، رئيس وزراء مصر ووزير داخليتها آنذاك، بانتداب اثنين من رجال الداخلية لوضع تقرير عن واقعة مقتل الراقصة، وعن مسؤولية رجال البوليس.

لتكون تلك الواقعة هي آخر مسمار في نعش عصر الفتوات، لينتهي عصر الفتوات على يد الراقصة امتثال فوزي.

تم القبض على كامل الحريري، واعترف بإيعاز فؤاد الشامي له بارتكاب الجريمة، وتم القبض على الشامي، وحُكم عليهما بالسجن 20 عامًا.

خرج الشامي من سجنه عام 1957 ليصرّح بأنه لم يكن يريد قتل امتثال، وإنما إيذاءها فقط، بل الأغرب أنه قال إنه كان يحب امتثال فوزي.

وفي نهاية المقالة نتساءل:
هل كان لبديعة مصابني دور في مقتل الراقصة امتثال فوزي؟

……………………………………………………………………………..

مراجع السردية:

منتصف ليل القاهره لرفاييل كورماك.
ليالي القاهرة في عصر بديعه مصابني لحنفي المحلاوي.
رجال حول ريا وسكينه لصلاح عيسى.
خبايا القاهرة لأحمد محفوظ.
سنوات ما قبل الثورة لصبري أبو المجد.
ويكيبيديا وبعض المقالات على الشبكه العنكبوتية.

طالع أيضا:

مقتل الراقصة امتثال فوزي وانتهاء عصر الفتوات

زر الذهاب إلى الأعلى