مقتل الراقصة امتثال فوزي وانتهاء عصر الفتوات

 

سردية يكتبها: محمد سليمان

البحث في التاريخ المصري الحديث، وخاصة التاريخ الاجتماعي منه، أو كما يحب أن يصفه الكاتب الكبير يوسف الشريف: «التاريخ الوجداني»، به متعة كبيرة يشعر بها الباحث والقارئ لهذا التاريخ.
هناك الكثير من الجرائم التي حدثت في مصر خلال القرن العشرين، إلا أن بعضًا منها كان له أثر مباشر في حدوث تغييرات جوهرية داخل المجتمع، ومن بين تلك الجرائم ذات الأثر الواضح جريمة قتل الراقصة امتثال فوزي، والتي يُطلق عليها أيضًا قضية ملهى البوسفور.

فما هي قصة مقتل الراقصة امتثال فوزي؟ وما الذي يجعل من مجرد قضية قتل لراقصة حدثًا ذا أهمية في تاريخنا الاجتماعي والسياسي؟

لقد أحدثت واقعة مقتل الراقصة امتثال فوزي عام 1936م، على يد أحد أفراد عصابة الفتوة فؤاد الشامي (فتوة شارع عماد الدين)، هزة سياسية عنيفة، ما لبثت أن أدت تلك الهزة السياسية إلى انتهاء عصر الفتوات، وهنا تكمن أهمية تلك القضية.

وقبل أن نبدأ بسرد وقائع تلك القصة، لا بد من عمل إطلالة موجزة عن عصر الفتوات في مصر، حيث إنه مدخل لا غنى عنه في موضوعنا.

يذكر الكاتب حنفي المحلاوي في كتابه الممتع ليالي القاهرة في عصر بديعة مصابني أن دور الفتوات برز بشكل خطير خلال الاحتلال الفرنسي لمصر، عندما تخاذل المماليك عن الدفاع عن مصر، حيث هبّ الشعب بكل طوائفه للدفاع عن الأرض والعِرض، وشارك الفتوات، كجزء من الشعب، في مقاومة المحتل الفرنسي.
كان الفتوات في تلك الفترة يتمتعون بالمروءة والشرف، وكانوا في طليعة المقاومين للمحتل الفرنسي.

يحدثنا الكاتب الكبير صلاح عيسى في كتابه رجال ريا وسكينة عن نظرة المصريين للفتوات في تلك الفترة قائلًا:
«كان الفتوات في بداية نشأتهم ينظر إليهم المصريون باعتبارهم جيشًا وطنيًا يُسخِّر قوته لحماية الضعفاء والفقراء من المصريين من تجبّر وسلطة الأقوياء والأغنياء من المصريين والأجانب».

لكن عندما خرج المحتل الفرنسي عام 1801م، وجاء المحتل الإنجليزي إلى مصر عام 1882م، قام المحتل بإغراء الفتوات بالمال والحماية، وهنا تحول الدور الذي كان يقوم به الفتوة من شخص يقاوم المحتل ويدافع عن الضعيف، إلى شخص يعمل لحساب المحتل، ليفقد الفتوة شيئًا فشيئًا عطف وحب المصريين، ويتحول الأمر إلى كره وغضب كامن تجاه الفتوات.

يخبرنا صلاح عيسى عن ذلك التحول الذي حدث للمصريين في نظرتهم للفتوات قائلًا:
«إن المصريين نظروا إلى هؤلاء الفتوات على أنهم فرقة من المرتزقة تعمل لحساب الأجانب».

زادت سطوة الفتوات في مصر بعد الحرب العالمية الأولى، فكانت كل أحياء القاهرة تخضع للسلطة العرفية للفتوات، وكانوا يجبرون الناس على دفع الإتاوات، ومن يمتنع عن الدفع يُنكَّل به ويصبح عبرة لغيره.
وإلى جانب فرض الإتاوات المرهِقة على الناس، كان الفتوات يقومون ببعض الأعمال غير القانونية مقابل حفنة من الأموال.

يذكر الكاتب صبري أبو المجد في كتابه سنوات ما قبل الثورة:
«أن هؤلاء الفتوات كانوا يعملون وفق تسعيرة محددة، فتحطيم المنزل بخمسين قرشًا، وإحداث إصابة بمن يُراد إصابته بجنيه واحد لا غير، وإصابة من يُراد النيل منه بعاهة مستديمة بعشرة جنيهات، أما التهديد الشفهي أو الكتابي فلم يكن يزيد سعره على مائة وخمسين قرشًا».

كان من أشهر الأسماء في عالم الفتونة، كما تقول المصادر، عرابي صاحب مقهى عرابي الشهير، والذي كان فتوة لمنطقة الحسينية، بينما تقاسم كل من عبده الجياشي ومرجان السقا الفتونة في باب اللوق، وتقاسم كل من أبو طاجن وحسن الأسود النفوذ في منطقة الناصرية، وطار صيت آخرين من بينهم حسن أبو جاموس وعفيفي القرد فتوة بولاق، كما أورد صلاح عيسى في كتابه رجال ريا وسكينة. وكان محمود الفلكي فتوةً لباب الخلق، ومحمود الحكيم فتوةً للكحكيين، والتي دارت بينهما معركة طاحنة أدت إلى مقتل أحدهما كما سنذكر لاحقًا. بينما تقاسم النفوذ في منطقة الأزهر والحسين بين ثلاثة فتوات، هم: حسن كسلة، وبدوي العلاف، وفهمي الفيشاوي صاحب أشهر مقهى بالحسين. ولم يكن نادرًا وجود بعض الفتوات الأجانب، كبالميطو وجادليا، فتوات حارة اليهود.

كما نلاحظ وجود بعض الفتوات من العنصر النسائي، كعزيزة الفحلة فتوة المغربلين، وجليلة المشهورة بـ«بسكسكة» فتوة الجيزة، والتي اشتهرت بقيامها بدور اجتماعي بمنطقة نفوذها، بالتدخل للصلح بين الأزواج المتخاصمين.

وكان فؤاد الشامي ذلك الفتوة المرعب يفرض سطوته على شارع عماد الدين، فكل الراقصات وأصحاب الملاهي الليلية والكازينوهات كانوا يقومون بدفع الإتاوات له.
وفي الإسكندرية أيضًا كانت تخضع أحياؤها للسلطة العرفية للفتوات، وكان يُلقب الفتوة هناك بـ«أبو أحمد» أو «أبو الأحمدات».

في تلك الفترة، كما يذكر عيسى، حصل تزاوج بين الفتوات وبيوت البغاء، سواء المقنن منها أو السري، وهو ما أدى إلى زيادة التدهور في نظرة المصريين للفتوة؛ فبينما كان الفتوة في بادئ أمره مسؤولًا عن الحفاظ على الأخلاق، باعتباره حاميًا لها يذود عن نساء منطقته، تحول إلى بلطجي وبرمجي يحمي العاهرة ويتكسب من أعمالها الدنيئة.

وكان هناك صراع كبير بين الفتوات على حماية بيوت البغاء، كما يذكر صلاح عيسى، وأدى هذا الصراع إلى حادثة مقتل واحد من أشهر الفتوات في القاهرة، الفتوة محمود الفلكي فتوة باب الخلق، على يد الفتوة محمود الحكيم فتوة الكحكيين، والذي كان يتمتع بالحماية الفرنسية، وفلت من العقاب كعادته بسبب الامتيازات الأجنبية.

كان مقتل الراقصة امتثال فوزي على يد أحد أتباع الشامي القشة التي قصمت ظهر البعير، فبمقتلها انتهى فعليًا عصر الفتوات.

……………………………………………………………………

مراجع السردية:
منتصف ليل القاهره لرفاييل كورماك
ليالي القاهرة في عصر بديعه مصابني لحنفي المحلاوي
رجال ريا وسكينه لصلاح عيسى
خبايا القاهرة لأحمد محفوظ
سنوات ما قبل الثورة لصبري ابو المجد
ويكيبيديا وبعض المقالات على الشبكه العنكبوتية.

نرشح لك أيضا:

سياحة قنص البشر .. قراءة في تاريخ إجرام الرجل الأبيض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى