سياحة قنص البشر .. قراءة في تاريخ إجرام الرجل الأبيض

سردية يكتبها: محمد سليمان
نبوءة العرّاب
يثور تساؤل في ذهني: كيف للكاتب أو الأديب أن يتنبأ بأحداث في المستقبل القريب أو ربما البعيد؟ أو يتحدث عن أشياء حدثت في الماضي ولكنها ظلت سراً من الأسرار التي لم تظهر للعلن، فإذا بنا بعد فترة من الزمن نشاهد تلك الأحداث رأي العين؟
هل كان يعلم العرّاب/أحمد خالد توفيق حينما أورد في روايته الشيقة “يوتوبيا” بأن بعضاً من سكان يوتوبيا يذهبون لرحلة إلى خارجها لاقتناص وصيد البشر، معتبرين إياهم مجرد حيوانات بشرية؟ وذلك كسراً للرتابة وللروتين اليومي، وقتلاً للملل الذي أصاب حياتهم المتشبعة بكل ملذات الحياة، بحثاً عن الإثارة والسعادة اللذين يفرزهما هرمون الأدرينالين، حتى ولو كان ذلك على حساب البسطاء والأبرياء؟!.

غلاف الروية
وكأن سكان يوتوبيا قد انمسخت أرواحهم دون صورهم؛ فهيئتهم الظاهرية بشرية إلا أن أرواحهم ممسوخة وممتلئة بفكر شيطاني رهيب لا يلقي بالاً لما يسمى بالوازع الأخلاقي.
هل كان يعلم العرّاب أنه سوف يأتي اليوم الذي ستطالعنا فيه الصحف عما يسمى بقضية (سياحة القنص)؟ حيث فتح الادعاء العام في إيطاليا تحقيقاً في قضية سياحة القنص والمتورط فيها كثير من أثرياء إيطاليا، وكذلك تورط أثرياء من فرنسا وإنجلترا بالذهاب إلى سراييفو خلال العام 1992م حتى العام 1996م في رحلات لقنص مسلمي البوسنة لمجرد التسلية وقتل الملل، مقابل مبلغ مالي يُقدّر بـ 90,000 ألف دولار ثمناً للرحلة الواحدة. إنها فضيحة أخرى تُضاف لفضائح الإنسان الأبيض الذي يتمجد بأوهام ما يُطلق عليه “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” و”القانون الدولي الإنساني” و”اتفاقيات جنيف” لحماية المدنيين في أوقات النزاعات المسلحة.
آلاف الأنفس الزكية صعدت إلى بارئها في تلك الحرب، كم منها يا ترى تم قنصها بيد أثرياء الغرب لمجرد التسلية والمتعة؟
في رأيي أن نبوءة العرّاب كانت في حقيقتها قراءة في تاريخ البشرية، الماضي والحاضر، المليء بسفك الدماء لكافة أنواع الكائنات الحية.
هزلية اليوتوبيا والدستوبيا في عالم يقتل المتعة
كنت ولا زلت أتساءل: لماذا سمى العرّاب روايته “يوتوبيا” بذلك الاسم؟ مع أن اليوتوبيا هي تلك المدينة المتخيلة القائمة على كل أنواع الفضائل، أم هي مجرد تسمية هزلية لتلك المدينة التي أنشأها علية القوم، والتي هي في حقيقتها ديستوبيا شريرة مليئة بشتى أنواع الشرور والآثام؟
قتل الحيوانات من أجل المتعة والتسلية
إن قتل الحيوانات البريئة، حتى ولو كانت مفترسة، على سبيل اللعب والتسلية، هو في الحقيقة جريمة، كان أثرها المباشر في رأيي هو تطور في مسار شكل الجريمة، ليصبح الإنسان هو محور اللعبة الهزلية بجوار الحيوان. فالإنسان في لعبتنا الجديدة (سياحة القنص) هو القناص وهو أيضاً المقنوص، هو الجاني وهو المجني عليه، هو القاتل وهو المقتول، هو المعتدي وهو الضحية. إنها هزلية بشرية لا يتصور عقل على فطرته النقية أن تحدث: أن يُقتل إنسان بلا ذنب أو جريرة لمجرد التسلية وقتل الملل!
هل نحن نعيش في عالم تحكمه الهزلية البشرية على حد قول مونتين حين قال:
“كل شيء في الوجود قد عرف نفسه إلاك أيها الإنسان، وليس هناك ما هو أكثر فراغاً منك. أنت الذي يتمثل الكون فيك، إنك باحث ولا معرفة، وقاض ولا قضاء. وبعد، فأنت المهرج الوحيد في الهزلية البشرية”.
أعتبر نفسي من أشد الرافضين والمهاجمين لرياضة مصارعة الثيران المشهورة (الكوريدا الإسبانية) والتي يقوم اللاعب فيها في أحد مراحلها بتسديد السهام لحيوان بريء لا ذنب له، وذلك لمجرد التسلية والمتعة. يسقط الثور أمام حشد من الجماهير التي تصفق للفارس المغوار بعد أن سدد عدداً لا بأس به من السهام في جسد الحيوان لمجرد التسلية لا غير. ويقال إن آلافاً من الثيران تُقتل سنوياً في إسبانيا بتلك الطريقة الوحشية من أجل ما يُطلق عليه رياضة “الكوريدا الإسبانية” والتي انتشرت أيضاً في بعض البلدان الأخرى.
أتذكر الآن قول برنارد شو حينما قال:
“إذا قتل الإنسان نمراً، قالوا: هذه رياضة. وإذا قتل النمر إنساناً، قالوا: هذه وحشية.”
فعل النمر بقتل الإنسان خُلقياً ومنطقياً لا غبار عليه. هو حيوان جُبلته الافتراس، خلقه الله هكذا. ويقال إن الكثير من الحيوانات المفترسة لا تفترس إلا وهي جائعة أو لتطعم صغارها. أما فعل الإنسان بقتل النمر، والذي يوصف بأنه “رياضة”، فهو في حقيقته جريمة من جرائم الإنسان الذي يدعي التحضر.
إن التطور الإجرامي للإنسان الأبيض الحادث في عصرنا الحديث، فيما يسمى بـ “سياحة القنص”، لا يمكن النظر إليه بعيداً عن قتل الحيوانات من أجل التسلية والمتعة. وبالأمس القريب كان يُنظر إلى بعض البشر على أنهم “حيوانات بشرية”. ولا ننسى حينما وصف المجرم المطلوب لمحكمة العدل الدولية/ يوآف غالانت، وزير الدفاع السابق للكيان الصهيوني، والذي ترجع أصوله لأوروبا (فهو من أبوين بولنديين)، الفلسطينيين بأنهم “حيوانات بشرية”. وذلك الوصف كان معروفاً أنه لتبرير قتل أكبر عدد من الفلسطينيين الأبرياء، الذين تركهم العالم أمام آلة الحرب الجهنمية للكيان الصهيوني. وربما في القريب قد تطالعنا الأخبار عن قيام بعض جنود ذلك الكيان ومرتزقته بقتل الأطفال والنسوة لمجرد التسلية وقتل الملل.
الحيوانات البشرية تاريخ أسود
في الماضي وخلال القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، كانت نظرة الغربيين لغيرهم لمجرد اختلاف اللون أو الدين أو السلالة على أنهم أقل منهم درجة. فالدول الاستعمارية نظرت إلى الإنسان الإفريقي على أنه أقل منهم إنسانية، وأن الأفارقة ما هم إلا مخلوقات أعلى من القردة العليا وأقل مرتبة من الإنسان. وظهر خلال القرن التاسع عشر حدائق حيوانات البشر. ففي فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا كانت هناك حدائق بشرية يُحبس فيها الأفارقة في الأقفاص، ليأتي الرجل الأبيض وأسرته ليشاهدوا تلك المخلوقات التي في قرارة أنفسهم أنهم أقل درجة منهم، حتى أن الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا أمر بإنشاء حديقة حيوان للبشر في قصره، وذلك عام 1897م، وتم نقل 260 كونغولياً لتلك الحديقة.
الحقيقة التي لا يستطيع الرجل الأبيض أن ينكرها أن تاريخه مُلوث بدماء الملايين في كل أنحاء العالم، وخاصة مع سكان إفريقيا وسكان الشرق الأوسط والسكان الأصليين لأمريكا. ومأساة الهنود الحمر ليست منا ببعيد.
يذكر فِرْتز تروب في مقالته “آخر الهنود الحمر” أن كريستوفر كولومبوس بعدما اكتشف أمريكا وذهب لمقابلة ملك وملكة إسبانيا اللذين كلفاه بهذه المهمة، وصف الهنود الحمر بوصف لطيف للغاية قائلاً:
(إنهم في غاية الطاعة، وهم أناس مسالمون إلى درجة تجعلني أقسم أمام عظمة جلالتكم بأنه ليست ثمة شعب آخر أفضل منهم في العالم، يحبون الغريب كما يحبون أنفسهم، ولغتهم لطيفة ترافقها ابتسامة على الدوام، ومع أنهم عراة، إلا أن سلوكهم مُهذّب جدير بالثناء).
يعلق فِرْتز تعليقاً مؤلماً على كلام كولومبوس فيقول:
“لا بد أن نذكر صراحة أن المكتشف استخدم كلمة (الإنسان) للهنود الحمر، غير أن خلفه لم يشاطروه ذلك الرأي”.
إن إزالة صفة الإنسانية عن مجتمع من المجتمعات هو البداية الحقيقية للمسير في تطهيرهم عرقياً، وهذا ما حدث لقبائل الهنود الحمر في واحدة من أبشع الجرائم التي حدثت على يد الرجل الأبيض.
كان الفلاسفة قديماً ينظرون إلى الفقر كأحد المسببات الرئيسية للجريمة، فالفيلسوف اليوناني سقراط كان يرى: (أن الفقر هو والد الثورة والجريمة). ومع التطور الحادث في مسارات الجريمة، فمن الممكن أن نقول أن الغنى الفاحش قد يكون سبباً من أسباب الجريمة. فبسبب الوصول إلى مرحلة التشبع من كل ملذات الحياة، يُصاب البعض من أصحاب الثروات الهائلة بالملل، ومن أجل كسر ذلك الملل يبحث مثل هؤلاء الناس عن أشياء غريبة، ولا يتورعون عن فعل تلك الأشياء حتى ولو كانت جريمة من الجرائم. فهم يظنون أنهم بأموالهم وثرواتهم يمتلكون كل شيء بما فيها حياة البسطاء.
إن قضية “سياحة القنص” والتي تحقق فيها السلطات الإيطالية هي في حقيقتها طعنة في جبين البشرية، وسطر من سطور إجرام الرجل الأبيض في حق البشرية.





