هبة فهمى تكتب: بين إرث الخبرة وفخاخ “التريند”: هل نسينا أن الإعلام أمن قومي؟

بيان

​​”لقد أجريتُ مئات اللقاءات، إلا أنني أعتبر هذا اللقاء هو الأفضل”.. بهذه الكلمات التي تحمل وساماً مهنياً، خاطبني ضيفي وهو أستاذ جليل وقامة في عالم الإعلام.

لم تكن هذه المرة الأولى التي أسمع فيها عبارات الإشادة من قامات نستضيفها، ومقارنات بأسماء رنانة وبارزة في المشهد. ربما لا يوضع اسمي على اللافتات الكبرى في الطرقات، لكن العلم الإعلامي وإرث الخبرة يتركان أثراً وبصمة لا تُمحى في تاريخ عملي.

فنحن، منذ البداية، لم نبحث عن شهرة زائفة أو مال سريع، وإنما كنا ومازلنا نقدم رسالة وعي وتنمية. واليوم، مع إنجازات الدولة المتلاحقة، نجد أنفسنا أمام التوقيت الأمثل لإعادة هذه الرسالة للصدارة؛ أليس الإعلام أحق أن يكون “مستداماً” ومبنياً على أسس صلبة كبقية المجالات؟

خمسة عشر عاماً من تجربة الإعلام الخاص كانت كفيلة بأن تفرز لنا حقيقة ساطعة: “ليس كل من جلس خلف الميكروفون إعلامياً”. فرغم كثرة الوجوه وتعدد الشاشات، ظلّت القلة القليلة هي التي تملك “البصمة” والأثر، بينما ذابت البقية في فوضى البحث عن “التريند”.

الإعلامي ليس مجرد “مؤدٍّ” لنص مكتوب، بل هو “مفكر وصانع محتوى” يمتلك رؤية وقضية. هو الشخص الذي يستطيع الربط بين الحدث الجاري وبين تداعياته المستقبلية على المجتمع.

الفرق بينه وبين “مذيع المنصات” هو أن الإعلامي يدرك أن الميكروفون “أمانة” وليس “وجاهة”، وأن الشاشة هي “مسؤولية اجتماعية” وليست “منصة إعلانية”.

يكمن الفرق الجوهري بين الإعلامي الكفء ومذيعي الهواة في صناعة المحتوى التنموي؛ فالإعلامي الحقيقي يدرك أن دوره يتجاوز مجرد عرض المشكلة ليصل إلى الدفع نحو التنمية والبحث عن الحلول، حيث يسلط الضوء على الإنجازات بوعي ويحفز الطاقات الإيجابية، بينما يلهث مذيعو القنوات الخاصة خلف “الإثارة” لرفع نسب المشاهدة، حتى لو كان المحتوى محبطاً أو هداماً للمجتمع.

ويتفوق الإعلامي المهني بتبنيه لـ عقيدة الأمن القومي، واضعاً استقرار بلده كخط أحمر غير قابل للتفاوض، فهو “جندي بزي مدني” يعرف متى يتحدث ومتى يصمت وكيف يصيغ الخبر دون إثارة الذعر، على عكس مذيع “السبق” الذي يرى الانفراد بالمعلومة أهم من تداعياتها الأمنية.

ويبرز هنا دور إرث الخبرة والاحترافية أو ما يُعرف بـ “حارس البوابة” في كتب الاعلام، حيث يقوم الإعلامي بفلترة المعلومات والتأكد من المصادر، في حين تُبث الأخبار على منصات التواصل خاماً وغالباً ما تكون مغلوطة لأن هدفها السرعة لا الدقة.

​وتتجلى قيمة الإعلامي في الاستدامة مقابل اللحظية؛ فالمذيع الذي يرتكز على الشكل أو الفضيحة ينطفئ بريقه سريعاً مع ظهور وجه جديد، أما الإعلامي المصقول بالخبرة فيظل مستداماً وتزداد قيمته بمرور الزمن كمرجع موثوق في الأزمات.

وتكتمل هذه الشخصية بـمهارات إعلامية خاصة تمنحه حساً سياسياً ووطنياً لقراءة ما بين السطور، وموضوعية مرتبطة بالانتماء تنحاز لمصلحة الوطن وهويته، مع قدرة فائقة على التوجيه لا التلقين، تمنح المشاهد أدوات الوعي ليفكر بشكل صحيح.

الاختلاف يكمن في “الغاية”؛ فإذا كانت الغاية هي بناء وطن، فنحن أمام إعلامي. وإذا كانت الغاية هي جمع المال والشهرة، فنحن أمام مؤدٍّ. إن العبرة في هذه المهنة ليست بكثرة الظهور، بل في ذلك الأثر الذي يتركه الإعلامي خلفه؛ فبعد سنوات من العمل، لا يتبقى في وجدان الشعوب إلا القلة القليلة ممن احترموا عقل المشاهد وقدسية الرسالة.

هؤلاء لا يمر ذكرهم عابراً، بل يُستحضرون دائماً بحُسن وطيب الكلام، وبالإشادة بصدق دورهم الإعلامي الذي لامس حياة الناس وساهم في بناء وعيهم. هذا القبول والمحبة هما ‘الاستدامة’ الحقيقية التي لا تمنحها أضواء القنوات التجارية، ولا تشتريها أموال الإعلانات، بل يصنعها الإخلاص للوطن والمهنية التي لا تشيخ.

فإذا كانت القنوات الرسمية تعاني من تراجع نسب المشاهدة التقليدية، فإن الحل لا يكمن في التراجع، بل في “الهجوم النوعي” عبر المنصات الرقمية بنفس أدوات العصر، ولكن بروح الهوية الوطنية.

لم يعد إنتاج صورة “مبهرة” يتطلب استوديوهات ضخمة وميزانيات ملايين الدولارات. التكنولوجيا اليوم تتيح إنتاج محتوى بجودة سينمائية وبإضاءة وتصميمات جرافيك مبهرة بتكاليف أقل بكثير من البث الفضائي التقليدي.

المنصات الرقمية تمنحنا مرونة “هوليودية” في الصورة، تسمح للمذيعة الكفء أن تظهر في إطار عصري يجذب عين المشاهد قبل عقله.

كما أن الأغلبية التي تبحث عن “التريند” لا تشاهد التلفاز، هي تسكن في “تيك توك” و”يوتيوب”. تقديم إعلام موازي يعني أننا نذهب للجمهور في ملعبه.

عندما نُقدم مذيعة مثقفة، بزي عصري لائق، ولغة رشيقة، وصورة فنية عالية الجودة، فنحن هنا نسحب البساط من “الهواة” ونقدم بدلاً منهم “نجوم وعي” يمتلكون الموهبة التي صقلها العلم.

​إن المشهد الإعلامي الراهن، برغم ما يبدو عليه من صخب وتكدس، هو في حقيقته ساحة خالية أمام أصحاب الرسالة الحقيقية.

فالجمهور الذي أتعبته السطحية وأرهقه الجري خلف “سراب التريند”، بات متعطشاً لمن يحترم عقله ويقدم له الحقيقة في قالب عصري مبهر.

​علينا ألا نكتفي بالمشاهدة أو التحسر على ما ضاع من معايير، بل علينا أن نقتحم هذه الساحة بوعينا، وبإرث خبرتنا، وبأدوات العصر الرقمي.

إن إنجازات الوطن تستحق “صورة هوليودية” في إبهارها، و”روحاً وطنية” في جوهرها. لقد حان الوقت لننتقل من مقاعد المتفرجين إلى قلب الميدان، لنصنع إعلاماً مستداماً لا يمحوه الزمن، ويستحق أن يُذكر أصحابه دائماً بحُسن الأثر وطيب الكلام.

وللحديث بقية..

طالع المزيد:

محافظ كفرالشيخ يلتقي الصحفيين والإعلاميين ويستعرض أولويات العمل خلال المرحلة المقبلة

زر الذهاب إلى الأعلى