جرجس بشرى يكتب: حاكموا توفيق عكاشة
بيان
قرأتُ منشورًا متداولًا على مواقع التواصل الاجتماعي منسوبًا للإعلامي المصري توفيق عكاشة، يطالب فيه الرئيس السيسي بإرسال قوات من الجيش المصري إلى الإمارات والسعودية للدفاع عنهما ضد إيران. وهذا المنشور بحق خطير؛ لأنه دعوة صريحة وخبيثة، في الوقت ذاته، لتوريط وجرجرة جيش مصر إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، خاصة في ظل اشتعال الأوضاع في المنطقة، بل في العالم، نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وفي ظل الاستهداف الواضح لدولة الكيان الإسرائيلي ومخططاته التي باتت علنية ومفضوحة تجاه الجيش المصري، فإن الحرب الدائرة رحاها الآن في المنطقة يُستهدف فيها، في الأساس، جيش مصر، وهذه حقيقة مؤكدة؛ إذ تضع دولة الكيان مصر ضمن مخططات وأحلام «إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات». وهذا ليس خافيًا على أحد، بل أفصح عنه عميد سابق بالجيش الإسرائيلي بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، عندما قال: «الدور القادم على مصر وتركيا بعد إيران».
كما أن نتنياهو نفسه أفصح عن المخطط في تصريح متلفز عندما رفع خريطة لإسرائيل الكبرى. كذلك كشف السفير الأمريكي في إسرائيل، قبيل الحرب الدائرة الآن ضد إيران، عن أمانيه في تحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، والتي ستكون مصر جزءًا منها.
ومن المقطوع به أن الجيش المصري يمثل ـ أكثر من إيران ـ عقبة كبرى أمام مخططات إسرائيل وأمريكا في المنطقة. وكلام توفيق عكاشة في هذا التوقيت خطير، ولا يجب أن يمر مرورًا عابرًا، بل يستدعي تحقيقًا موسعًا معه ومحاكمته؛ لأن مصر لو تدخلت حاليًا بقوات في الخليج وتورطت في هذه الحرب، فإن أمريكا وإسرائيل ستكونان قد ضربتا عصفورين بحجر واحد، خاصة في ظل حشد القوات وتحرك الأساطيل والسفن.
ولكن هيهات؛ فجيش مصر العظيم يحمي فقط أمنها القومي وسيادتها. ودور مصر الدبلوماسي في هذه الحرب لا يقل أهمية عن دورها في المشاركة بقوات عسكرية لحماية دول الخليج؛ فالدبلوماسية سلاح ناعم لإرساء السلام دون دماء، ودون انزلاق المنطقة إلى حرب متهورة وطائشة لاستعراض القوة والبلطجة واستعمار الشعوب واستهداف الأديان.
وفي رأيي أن تصريحات عكاشة عليها علامات استفهام مرعبة، خاصة أنه من المنادين والداعمين للتطبيع الشعبي مع العدو الإسرائيلي. كما أنه قال من قبل، في حوار خطير، إن إسرائيل تفكر في أن تحكم العالم من مصر. وهذه مغالطة خطيرة وتمويه واضح للحقيقة وخداع صريح للبسطاء ومغازلة مكشوفة لدولة الكيان؛ لأن توفيق عكاشة لا يفرّق بين مخطط استحواذ إسرائيل على بلدان المنطقة من النيل إلى الفرات ضمن مشروع أو حلم «إسرائيل الكبرى»، وبين مركز حكم إسرائيل وقت المسيح المخلص من وجهة نظر اليهود، والمعروف كتابيًا في الإنجيل المقدس عندنا نحن المسيحيين بـ«ضد المسيح» أو «المسيح الدجال» كما يلقبه إخوتنا المسلمون.
فمركز حكم المسيح المنتظر أو المخلص، بالنسبة لليهود، سيكون الهيكل في أورشليم (القدس). ويقول الإنجيل المقدس إن «ضد المسيح» سيجلس في هيكل الله ـ وفقًا للاعتقاد اليهودي ـ كإله، وهذا واضح في رسالة القديس بولس في رسالته الثانية إلى أهل تسالونيكي، الإصحاح الثاني، الآيتين الثالثة والرابعة:
(لا يخدعنكم أحد على طريقة ما، لأنه لا يأتي إن لم يأتِ الارتداد أولًا، ويُستعلن إنسان الخطية، ابن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهًا أو معبودًا، حتى إنه يجلس في هيكل الله كإله، مظهرًا نفسه أنه إله).
ويتضح من الآيتين أن مركز الحكم سيكون الهيكل (هيكل سليمان) في أورشليم (القدس)، لأن الشيطان سيعطيه بعضًا من قوته ليفعل آيات وعجائب خارقة لتضليل المؤمنين وخداعهم. ويقول القديس بولس الرسول في الإصحاح ذاته، في الآيتين 8 و9:
(وحينئذ سيُستعلن الأثيم، الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه، الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة).
ولا ينبغي أن نغفل أيضًا أن توفيق عكاشة تم إسقاط عضويته من البرلمان المصري وطرده منه بسبب استضافته لسفير دولة الكيان الإسرائيلي، كما أنه أكد في تصريحات إعلامية أنه زار إسرائيل وسعى لمقابلة نتنياهو في مكتبه، وقابل رئيس مكتبه.
ومن المؤكد أن دعوة توفيق عكاشة ملغومة وأثارت ردود أفعال غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى فيها كثير من المصريين دعوة لتوريط الجيش المصري في توقيت تشتعل فيه المنطقة، بل العالم، بينما تنعم مصر بالأمن والسلام. وفي رأيي أن هذه الدعوة الخطيرة تستدعي محاكمة عاجلة.
ورسالتي لأمريكا وإسرائيل هنا: رهانكم على استخدام بعض المنادين بالتطبيع الشعبي مع إسرائيل، مثل توفيق عكاشة وغيره، أو استخدام بعض الخونة أو المرتزقة من الخارج أو الداخل للحشد والتظاهر وإشاعة الفوضى، هو رهان خاسر. فشعب مصر، بمسلميه وأقباطه، يلتف ويدعم بقوة جيشه وشرطته، ووقت الجد ستجدون من كل مصري ومصرية جنودًا في الجيش المصري، وسيضعون مخططاتكم في الموضع الذي يليق بها.




