د. محمد الجوهرى يكتب: الرابحون والخاسرون من حرب إسرائيل وأمريكا على إيران

بيان

يمثل اندلاع المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في العالم خلال العقود الأخيرة. فهذه المواجهة لا تقتصر آثارها على ساحات القتال فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية، وأسعار العملات والذهب، كما تعيد رسم موازين القوى السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط والعالم.

الحروب الكبرى عادة لا تترك الجميع خاسرين، بل تخلق رابحين وخاسرين في آنٍ واحد؛ فهناك أطراف تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد الطلب على السلاح، واضطراب الأسواق، بينما تتكبد أطراف أخرى خسائر اقتصادية وتجارية كبيرة نتيجة تعطيل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع الاستثمارات.

أول الرابحين من هذه الأزمة هم شركات السلاح العالمية، وعلى رأسها الشركات الأمريكية والأوروبية؛ فكل تصعيد عسكري يؤدي إلى زيادة الإنفاق الدفاعي للدول، سواء المشاركة في الحرب أو الدول التي تخشى امتداد الصراع إليها، وهو ما يعني طلبًا أكبر على الطائرات المقاتلة، وأنظمة الدفاع الجوي، والصواريخ، والذخائر، وهو قطاع يحقق أرباحًا ضخمة في فترات التوتر والحروب.

ثاني الرابحين هم منتجو النفط والغاز خارج منطقة الصراع؛ فكلما ارتفع التوتر في الخليج العربي ارتفعت أسعار النفط بسبب المخاوف من تعطل الإمدادات، خاصة مع الحديث عن احتمالات إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط في العالم. وارتفاع الأسعار يمنح الدول المنتجة خارج الصراع، مثل بعض الدول الإفريقية ودول أمريكا اللاتينية، فرصًا لتحقيق إيرادات أكبر من صادرات الطاقة.

كما تستفيد أسواق الذهب والمعادن الثمينة من هذه الأزمات؛ إذ يلجأ المستثمرون حول العالم إلى الذهب باعتباره الملاذ الآمن الأول في أوقات عدم اليقين السياسي والعسكري، وغالبًا ما تشهد أسعار الذهب ارتفاعات قوية مع كل تصعيد عسكري أو تهديد بإغلاق ممرات التجارة العالمية.

ومن الرابحين أيضًا بعض القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين والهند؛ فهذه الدول قد تستفيد من انشغال الولايات المتحدة بالصراع العسكري في الشرق الأوسط، بما يمنحها مساحة أكبر لتعزيز نفوذها الاقتصادي والتجاري في مناطق أخرى من العالم، كما قد تستفيد من الحصول على مصادر طاقة بشروط أفضل في ظل اضطراب الأسواق.

أما الخاسرون فهم، في المقام الأول، دول الشرق الأوسط القريبة من مسرح العمليات العسكرية؛ لأن أي صراع واسع في المنطقة يؤدي إلى تراجع السياحة والاستثمار، وزيادة تكاليف التأمين على السفن، وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما يضغط على اقتصادات هذه الدول ويزيد من معدلات التضخم.

وتعد حركة التجارة العالمية من أكبر الخاسرين إذا ما تعرضت الممرات البحرية الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز أو البحر الأحمر، للاضطراب؛ لأن هذه الممرات تمثل شرايين رئيسية للتجارة الدولية، وأي تعطيل لها يرفع تكاليف الشحن والنقل، ويؤدي إلى تأخير وصول السلع وارتفاع أسعارها في الأسواق العالمية.

كما تتضرر الاقتصادات المستوردة للطاقة بشكل كبير؛ لأن ارتفاع أسعار النفط يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، ويؤدي إلى زيادة التضخم، وهو ما يضغط على السياسات النقدية للدول، ويجبر البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترات أطول.

وفي قلب هذه المعادلة تبقى الشعوب هي الخاسر الأكبر؛ لأن الحروب، مهما كانت أسبابها، تدفع ثمنها المجتمعات عبر ارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي.

وفي النهاية يمكن القول إن هذه الأزمة تعكس حقيقة ثابتة في الاقتصاد السياسي الدولي، وهي أن الحروب تعيد توزيع الثروة والنفوذ بين الدول والشركات والاقتصادات؛ فبينما يحقق البعض مكاسب مالية واستراتيجية ضخمة، يدفع آخرون تكلفة باهظة من الاستقرار والتنمية والنمو الاقتصادي.

وإذا استمر التصعيد العسكري في الخليج، فإن العالم قد يواجه موجة جديدة من التضخم، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق المالية، وهو ما يجعل هذه الأزمة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود في مواجهة الصدمات الجيوسياسية الكبرى.

اقرأ أيضا:

زر الذهاب إلى الأعلى